‏إظهار الرسائل ذات التسميات رحلة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رحلة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 21 أكتوبر 2018

نحو بلاد الباوباب، سرت



"انظروا إلى المباني الشاهقة والجذابة، وللطريق السريع والرحب والمرحب، لقد دخلنا داكار". قالها بابتهاج تنغصه حسرة وغصة وغضب وكمد، وترك لسانه كالشلال المنسكب بقوة، يمجد اللحظة ويجلد الذات. وهو المريض الباحث عن علاج لم يجده في وطنه.
وتبعه في ذلك بقية ركاب الحافلة القادمة من نواكشوط، عاصمة الشحوب الأزلي، المدينة التي لا تشبه المدن، ولم يبدأ ذلك الحديث والشعور عند ولوج دكار بل منذ عبورنا عن طريق سد "دياما" ودخولنا الأراضي السنغالية، وكان يتعمق كلما توغلنا جنوبا، حيث توقفت عبثية الطريق وعذاباتها، ففي السنغال طرق لا ترصعها الحفر، وأعدت لتنقل البشر وليس للتدريب على المسالك الوعرة والفاتكة، وطوال الرحلة، كانت المقارنات بين ضفتي نهرنا، الجنوبية والشمالية، تسيطر على أحاديث الركاب، وهم قوم من مشارب شتى.
وأكثر جملة ترددت على الألسن، هي:" ليس لديهم غير الفول السوداني والبقوليات وحالهم أفضل منا نحن ملاك الذهب والحديد والسمك وأشياء أخرى".
ورغم محاولات البعض التخفيف على نفسه بالقول أن السنغاليين يطلبون الصدقات لبناء دولتهم، لكنهم يتذكرون أن موريتانيا دولة مسكينة، باحثة عن "الصدقات"، لكن حكامها يلتهمون كل شيء، الثروات والصدقات، فيشتد الأنين والسخط.
***
حين خرجنا من نواكشوط وتقدمنا قليلا في الطريق، بدأت حكايتنا مع البؤس تستفحل، فلا شيء هناك يذكر بغيرالفناء البشع والذبول، وكل متر نقطعه كان يصدق ويصادق على ما جاء في الوثائقي الجزيري المعنون بالطريق إلى داكار، الذي أغضب قبل أشهر "أنبياء" "شعب الله المختار" وجماعات وطنية تمجيد البؤس والفساد.
وظلت الحفر والمطبات تنكل بنا طوال ما كان يطلق عليه "طريق روصو"( رحمه الله وغفر له)، ولم يتوقف ذلك الهم، إلا عند وصولنا لمنعرج كرمسين، حيث بدأ ما يشبه الطريق وبدأت ملامح جمالية تتسلل لرحلتنا، وخفت مظاهر البؤس الموحش، وأصبحت الطبيعة الجميلة ترطبنا؛ بدأت الحياة هناك في أرض الخنازير البرية( عرات)، وحين دخلنا حظيرة جاولينغ، ازدانت اللوحة، ونسينا أن الطريق غير معبد، فقد خطفنا الخضار والحياة البرية البهية، والتربص بعائلات عرات( الخنازير البرية) والزواحف البحرية والتماسيح والطيور الجميلة، وتفاصيل تلك الحياة البديعة والبكر، فلم يسحقها البشر بعد.

وعند وصولنا للحدود الوهمية، لاحظت ما كنت أسمع من قبل، أن الناس هناك، مختلفون ويصعب عليك التمييز بينهم، فالقوم متجانسون وتحضر الحسانية والولفية في ألسنتهم بشكل متقارب، مزيج جميل، لمسته في شمال الأرض وحتى جنوبها، فسائق الحافلة التي نقلتنا من الحدود لعاصمة جنوبنا، داكار، سنغالي الجنسية وينحدر من مدينة سنغالية، غير بعيدة من موريتانيا، لكنه يتحدث الحسانية بطلاقة ولو سار في شوارع نواكشوط لن يلفت أي انتباه.
***
تمثال نهضة افريقيا

كانت توقعاتي لداكار أفضل مما رأيت، فكنت أظنه في مستوى " نيروبي" أو مثيلاتها من عواصم إفريقيا الجميلة، فلم أزره من قبل، ولم أره إلا من خلال الطائرة ذات عبور قصير. وفيما يبدو أن مدننا نحن سكان الغرب الإفريقي، لا تنافس!، لكنه بالمقارنة بعاصمتنا الشبحية، يعتبر مدينة مزدهرة ومبهرة، كأنه باريس.
داكار مدينة حيوية، فيها نقل عام معقول وأنشطة ثقافية ورياضية تغازل عيونك إعلاناتها أينما حللت، وساحات عمومية جميلة ومناطق خضراء لطيفة، كالسنغال عموما، ومسارح وشوارع وشواطئ معدة( رغم التلوث والأوساخ) للحياة، وأكثر ما جذبني في المدينة ولم يخيب ظني، هو تمثال نهضة إفريقيا، فهو صرح مهيب وفيه إبداع فريد؛ ومنطقته بديعة، ترى منها داكار والمحيط الأطلسي في اشراق وهناء.
وهو مشروع ضخم بني بإشراف كوري شمالي وأثار وقت تشييده الكثير من اللغط والرفض، وقد أتفق مع من يقول أن بلدا فقيرا له أولويات تنموية أهم من أمثال تلك الصروح والنصب التذكارية، لكنه جميل ومهيب وقد أسرني، كأشجار الباوباب السنغالية العتيقة والفارعة.
دكار عاصمة لدولة علمانية، وفعلا يرى المار مؤشرات لذلك في الفضاءات العامة والأسواق والمحلات، لكنني لاحظت حضورا طاغيا لمشايخ التصوف والمرجعيات الدينية، ففي كل ركن أو حانوت وحتى باص أو تاكسي ترى صورة لأحدهم وأدعيتهم؛ يطاردونك كلما خرجت للشارع، وخفت أن يخرجوا إلي من حنفية المنزل، وحتى حضورهم في المشهد السياسي جلي وطاغي، وبين الناس كذلك، وحين قارنت وضعهم بوضع نظرائهم في" الجمهورية الإسلامية الموريتانية" وجدت أنهم أكثر حضورا في السنغال، فالزخم الذي يحصل عليه رجال الدين هناك لا يحصل على ربعه أصحابهم في موريتانيا، فجماعتنا مساكين كالصحافة والمثقفين، يتبعون العساكر ويستخدمونهم في نزواتهم وبطشهم لا أكثر، مع استثناءات قليلة. ولمست من جدران المدينة حنق على فرنسا، فشاهدت بعض الغرافيتي الغاضب من الهيمنة الفرنسية على السنغال.
وفي السنغال، لاحظت أن هناك نوعا من التعامل السمح مع الموريتانيين، فالطلاب هناك بل المقيمين لا تفرض عليهم رسوم للإقامة، عكس السنغاليين في موريتانيا، الذين يعانون من رسوم الإقامة ويتعرضون للتوقيف الليلي والتنكيل بسببها.

الثلاثاء، 27 فبراير 2018

رحلة إلى أرض الكثبان البيضاء

منظر من منطقة تندوجة

توقفنا عند مرتفع رملي باهر البياض، فريد الجمال، وأسفله سهل فسيح، خلاب ومريح للعين، تجاوره بعض من أشجار الطلح وتيشط وآتيل، قد تساقطت أوراقها لكنها ظلت شامخة، تنتظر عناق المطر الحرون، وتتناثر قربه شجيرات من تيتارك وأم ركبة، في مشهد بديع يميز أرض آوكار وآمشتيل، تلك البقاع الرائقة حتى أيام القحط والجدب، فالسماء والهواء والكثبان الرملية النظيفة ذات الملمس الحريري المداعب للأجساد- جعلتني تلك الكثبان أحرف كلام إبراهيم الكوني، وأقول: لن يذوق طعم الحياة مَن لم يتنفس هواء الكثبان-، تجلب السكينة والحبور، ففي تلك الصحراء الواسعة، تناغم ونقاء أخاذ وداهش، فصباحها المنعش وشروق شمسها المبهج و غروبها الآسر وليلها الساحر ونجوم السماء الوضاءة، يهذبون ويمتعون الروح.

توقفنا ونحن في حالة ضياع نصفي أو لا أدرية وشك، وعند النزول للسهل، قابلنا أحد الرعاة يرافق قطيعا من الغنم، فسألناه عن وجهتنا؛ فدلنا على الطريق، وبعد أن تقدمنا عنه اكتشفنا أنه إحدى تجليات المعنى الصحراوي، فالرجل حكاية تحرر من قيد العبودية والجهل، فقد تعرف عليه أحد رفاق الرحلة.

وحكى لنا قصته، حيث كان ذات يوم ضحية استعباد، وفي أحد أيام العبودية الميلودرامية، كتب له من كان يستعبده في ورقة" أنت عبد جاهل"، وبما أنه لم يكن باستطاعته القراءة، استعان بشخص ليفسر له المكتوب. آلمت الجملة البغيضة صاحبنا أيما ألم، وبعدها، قرر الثورة وتغيير ذلك الواقع الظالم، وفك القيد ورفض الذل. ثابر وقاوم حتى" افتدى" نفسه من مستعبده الغاشم، وانتقل إلى شيخ زاهد في حطام الدنيا وصراعات أهلها، مبتعد عن المدينة؛ فكلما اقتربت منه رحل بعيدا ناشدا المزيد من النقاء.

وعند هذا الشيخ تعلم دليلنا الدرويش الثائر القرآن وأخذ الإجازة، وأصبح حرا كما يليق بأبناء الصحراء، فالصحراء هي الحرية ومبعثها، واليوم يملك قطيعا من الغنم، يعيش منه هو وزوجته، ويذهل الناس بترتيله للقرآن؛ فصوته جميل ومرطب للروح.

***

الضياع في الصحراء، قد يهدينا لعمقها ولب حكاياتها، والتغلغل أكثر في مضاربها، والاغتراف من القصص واللحظات الحميمية التي تبوح لنا بها. وفي رحلتنا وبعد تركنا للدليل الدرويش، مررنا صدفة ب"حاسي المبروك"، وهو موضع كنت تواقا لرؤيته، فهو أصل لحكايات وذكريات تخص أسلافا وحاضرين، طالما رويت لي وكنت أتخيلها، ومتشوق لرؤية مسرحها.

مررت على المكان خاليا من ناسه، وأبطال قصصه ومن أحبهم وأحبوه، فلم يبقى من ذلك العهد القديم إلا بعض ملامحه الطبيعية والحاسي المقاوم والمنتظر لعودة من ارتووا منه، حبا وودا، وأتمنى أن لا يكون انتظار الحاسي- البئر- لأحبابه ك"انتظار اسحاق".

***

الصحراء لا تنقضي صدفها، ففي الحين الذي تظن أنك وحيدا وجماعتك في فضاء لا حدود له، وبينك مسافات شاسعة مع البشر، يخرج لك من رحم الصدفة عظيم الأخبار والمفاجأة.

وأثناء ذهابنا نحو إحدى وجهات الرحلة، وفي خضم البحث والتفكير في دليل، أعطتنا الصدفة خير دليل.

غمرتنا ونحن ننطلق من تندوجة ذات الكثبان البيضاء الوثيرة ومنطلق بعض الأحداث المهمة في تاريخ هذه الأرض، نفحة ندية من المكان الذي كنا ننوى التوجه له ودلتنا عليه- إن لم أقل قدم إلينا المكان نفسه-.

كانت النفحة هي لقاء دون ميعاد ولا اتصال مع رجل طيب يقطن تلك البقعة- أرض الشيخ المتصوف الزاهد- ويبث منها علمه وأخلاقه، وكنا نرنو للقائه، وهو أحد العلماء الذين خرجهم الشيخ المتصوف والزاهد الذي علم دليلنا الدرويش وأخرجه من غياهب الجهل، وتم اللقاء بالرجل الطيب قبل لقاء الدرويش الثائر، حدث اللقاء، هكذا صدفة، كحكايات الصحراء الأسطورية.

***

غادرت تلك الأرض المباركة والملهمة عائدا إلى نواكشوط، بعد أن صافحت صدفة وقصدا، بعض بقاعها؛ كتيدأملين وتامرزكيت وعين السلامة وتندازبير وبئر العافية، وعلقت في ذهني تفاصيل ومشاهد أخرى-قد أحكيها ذات يوم- وأسئلة عديدة.

غادرت على نية العودة المتأنية، لأغوص في بحار تلك الصحراء عديمة السواحل، وأبحر في عوالم ناسها وحيواتهم وأساطيرهم الجميلة، وتاريخها ومن صنعوا القيم فيها، وشخوصها الباقية في الأذهان رغم الغياب وتقلبات الزمن.

 

الجمعة، 26 يونيو 2015

لقطات من تونِس البهية



هناك وجوه فاتنة جاذبيتها تؤنس ولا تزيد المساحيق التجميلة ألقها وسحرها، أخاذة عند الاستيقاظ من الأحلام والكوابيس وفي الغفوة، وهاجة في كل الانفعلات، تختزل جوهر الجمال، تونس هكذا، جميلة ببذخ، رائقة في الصباح والمساء ملهمة في الليل، تماما كما أتصور جمال ملكة قرطاج عليسة( أليسار)، هذا ما تسلل إلى ذائقتي ذات لقاء حميمي. فقد أبهرتني البساطة الفخمة في سيدي بو سعيد وحالة التوهج والتناسق الماتع بين الأبنية البيضاء والأبواب الزرقاء، فقد حلقت  روحي نحو النقاء والتصوف في الجمال وأنا  أسير في أزقتها، كان ذلك في رحلتى نحو القهوة العالية لخطف لحظات بقرب السحاب والتأمل في البحر البهي، تونس جميلة بكل تفاصيلها وملامحها، خضراء ومنطلقة بحق، فالتحرر في شارع بورقيبة، يثير الإعجاب، و أحاديث الأصدقاء عن الثورة على الطغيان تحث على التشبث بإماطة شرذمة الحكام الفاسدين( رغم ما تكتنز تلك الأحاديث من حسرة على عدم الانتقال بعد إلى مرحلة الانجاز وبعض التأسي على الواقع الاقتصادي والأمني، وعودة بعض رموز الفساد للمشهد العام). الشارع يختصر الحاضر والماضي الثورة والبناء، العصرية والتراث، يعبر بجلاء عن التحرر من كل القيود البالية، فنور التحرر ينبعث مع حركات البشر وأنفاسهم ونظراتهم، وفي شارع بورقيبة ينتصب عبد الرحمن ابن خلدون واقفا ليشهد على إبداع المواطن التونسي وتقديره له، ويتمتع بجمال المكان ويستمتع بنور النساء العاملات المتحررات والشباب الثائر، يراقب عن كثب تجربة ذلك الشعب المهيب، وعبر باب البحر ولجت إلى عوالم جميلة من تاريخ تونس الثري، ذلك الباب المشيد في عهد الأغالبة، لأغوص في الفن التونسي والمشغولات والقهاوي الشعبية، طبعا من دون نسيان أخذ لحظات في جامع الزيتونة، الصرح المبهر الموغل في العراقة والمميز بعمارته الملهمة وإشعاعه العلمي الريادي.
ابن خلدون في شارع بورقيبة

هذه هي تونس التي رأيت، حالة ومكان وشعب تتجسد فيهم المدنية بإبداع وتتناعم برحابة،  جدارية رسمها فنان متفرد  لحظة إلهام خاص، واليوم سمعت أن بعض مجانين التطرف الهائمين في" مذهب القتل"، قرروا إرهاق ذلك الجمال المتوقد، وتشويه تلك الخلطة بزرع الرعب في النفوس، بزهق أرواح المواطنين والمستمتعين بتفاصيلها الاستثنائية، وهو ما هالني وقض مضجعي، لكن، ملامح تونس قادرة على الدفاع عن نفسها، والآن، دعونا نغني معا لتونس الخضراء فلا يليق بها الحزن ولا الشحوب. 



الخميس، 29 مايو 2014

ذكريات إسكندرانية

صورة مع صديقي المغربي ياسر على كوبري ستانلي

كنت قد ختمت تدوينتي الأولى عن مشاركتي في منتدى الإسكندرية،  بالقول أنني سأتحدث في تدوينة أخرى عن المدينة والشعب والاحتقان السياسي والشباب و الكتابات الحائطية المناهضة للحكم العسكري، وها أنا أفعل.

انطباعات حول المدينة والناس 

لقد كان للأغاني و الأشعار دورا مهما في ترسيخ روح الإسكندرية وجمالها وتفردها في الذائقة الجمالية العربية، مثل أغاني شط إسكندرية لفيروز وبين شطين ومية لمحمد قنديل و(يا اسكندرية) التي كتبها أحمد فؤاد نجم وغناها الشيخ إمام.

ورسخت الأفلام السينمائية والأعمال الأدبية تلك الصورة أيضا، ولم يتغير الأمر بالنسبة لي بعد قدومى إلى المدينة والتحامى ببعض ملامحها بل زاد الإعجاب فبحرها يشفى العليل بالفعل ويبعث على العشق، وتنسيق المبانى لا يخلو  من قدر من الإبداع.. الفن يشع من كل أركان المدينة ولعل أكثر الأشياء التي تركت في نفسي أثراً طيبا هي تكريم المبدعين، فقد حظيت بزيارة مسرح ابن المدينة ومبدعها الأول سيد درويش والذي كان قيد الترميم رغم حالة الاحتقان والاضطراب التي تعيشها مصر حاليا، كما أسعدنى  وجود مسرح يحمل اسم بيرم التونسي.

مسرح سيد درويش

ومن سوء حظى أنني لم أجد الوقت الكافي لأغوص في دنيا مكتبة الاسكندرية العملاقة وأهم معالم المدينة الجذابة، فاكتفيت بنظرات خاطفة من بعيد.

هذا عن المدينة، أما الشعب فهو قصة أخرى، أكثر روعة وجمالاً، فلمست من خلال احتكاكي بالمواطنين وخاصة الشباب من سلامة تصوري الذي  طالما سيطر على ذهنى، وهو أن النخب التي تغزوا المشهد المصري و تسيطر عليه وتبث أمراض العنصرية والعنجهية الوطنية المصرية الزائفة الغبية والنفاق و كل مظاهر التخلف، مجرد نخب معزولة عن الشعب ولا تمثل سوى أمراضها النفسية، فالشعب في مصر مضياف يحب الاَخر ويجله وبعيد كل البعد عن العنصرية.. محب للسخرية والضحك رغم الماَسي والكوارث وضربات الزمن.


مع صديقي على التركي أثناء الاستماع لأصوات اسكندرانية مبدعة 


شعب متسامح بشكل فطرى ومتعايش بكل تناقضاته، وهذا ما اكتشفته عند سيري على كورنيش الإسكندرية وزيارتي الليلية لمنطقة القلعة، فعدد العشاق واختلافهم يبعث على الراحة، فالمنقبات وأصحاب القمصان  يتبادلون الورود ونظرات الحب بجانب من توصف ب”السفور” والشاب حليق اللحية من دون أي ازعاج ولا مكدر للسكينة ولا بهاء اللحظة، إذ كل عاشق هنا  مشغول بعشقه ومحبوبه، 
وسعدت بصداقات جديدة من شباب الاسكندرية وكل محافظات مصر، شباب يرفضون الظلم  الخنوع والعنصرية وتفاهة المركزية والتقوقع التي تنخر عقول بعض النخب المصرية المريضة.. كانوا  بمثابة الشموع التي تحترق من أجل ضيوف المدينة، يضحون بوقتهم وطاقتهم حتى يكون الجميع في حالة من السعادة الطافحة.

الجدران ترفض العسكر وحكمهم والشباب أيضا!


أثناء تجوالي في المدنية، لاحظت انتشار الكتابات الحائطية المناهضة لحكم العسكر وللسيسي، وكان هاشتاغ #انتخبوا_العرص أكثرها تواجدا، فحتى محكمة الاسكندرية و كوبري ستانلي الرائع لم يسلما منه، وكان لي وقفة مع الهاشتاغ، وأخذ صورة معه أثناء تجوالي على الكوبري وتجربة الترمس الذي يباع عليه، في المقابل لاحظت لافتات عملاقة داعمة للسيسي، تحمل عبارات من قبيل” كمل جميلك “، وبعض المبادرات الداعمة له ذكرتنى بمبادراتنا المتملقة والمنافقة.

حالة الرفض الموجودة على الجدارن، لها صدى كذلك بين الشباب، فحواراتي مع من قابلت أكدت لي أن صورة الجنرال المخلص التي يرسمها الإعلام المصري الموجه لا تعدو كونها حالة من البروباغاندا الرخيصة، فأغلب من تكلمت معهم يرفضون حكم العسكر والحالة الواقعة والقمع والفاشية الجديدة ولم أجد أي احتفاء بالسيسي ولا العسكر، بل  يرى الكثير منهم أن ثورته تمت سرقتها ويشعر بالإحباط ولا يخلو ذهنه من ذكرياته المشتركة مع أحد رفاقه المسجونين الاَن، ويتنازعهم هاجس إكمال المشوار أو التعامل مع القضية وكأنها مجرد عرض مسرحي هزلي.

ميدان شهداء ٢٥ يناير وقد تحول إلى مكب للنفايات الصورة من مدونة (الكشكول)
الصورة من الميدان، المصدر مدونة كشكول

ومن ضمن القصص التي أثرت في أثناء تواجدي في الاسكندرية هي رؤيتي لميدان شهداء ثورة الخامس والعشرين يناير في منطقة ميامي وقد تحول إلى مكب للنفايات( أخبرنى صديقي أنه تم تنظيفه بعد مغادرتى ليصبح موقفاً للسيارات)  وكذلك سماعي لحظر حركة السادس من إبريل، وهو ما يؤكد أن الثورة في مصر تتعرض يوميا للغدر.

لكنني غادرت الإسكندرية ومصر و أنا متأكد أن الوضع لا يمكن أن يبقى على ماهو عليه، فالشعب الذي ضحى مثل تضحيات المصريين لا يستحق هكذا نهاية، والغضب المصري، سيتحول ولو بعد حين إلى ثورة جديدة تؤسس لغد أفضل، ذلك الغضب الذي لمسته من قصة شيخ  توجه إلي ورفاقي في أحد مقاهي الإسكندرية ليعرض بضاعته علينا، و ليسأل أحدنا إن كان متزوجا، فلما رد عليه بالنفي، قال الرجل أحسن ففي أيامنا البغيضة هذه التي لا أفق فيها الزواج “وكسة “.

السبت، 3 مايو 2014

لمحة عن مشاركتي في منتدى الاسكندرية

جانب من المشاركين في المنتدى (الصورة لصفحة منتدي الاسكندرية على فيسبوك)
طالما تقت إلى عيش لحظات وتفاصيل من الحدوتة المصرية والغوص في جمالها و دفئها ،وانتظرت الأمر طويلاً ،وزاد شغفي بعد هبة المصريين في الخامس والعشرين من يناير واطاحتهم الاَنية بالطغيان، لكن الأمر لم يحدث إلا أنى لم أترك للسأم مكاناً ،وكنت أتمسك برسالة محمد منير في أغنيته "لو بطلنا نحلم نموت" .
وفي السادس عشر من مارس كان الإميل القادم من مصر يخبرني أنه تم إختياري للمشاركة في منتدى الاسكندرية للاعلام المجتمعي ،المنظم من طرف (ألكس أجندة و المعهد السويدي بالاسكندرية )،فبدأت الفرحة تغمرني ،وانتقلت مباشرة إلى مرحلة التحضير للمشاركة الفعالة في الحدث .
وصلت الاسكندرية الساعة الثالثة صباح يوم الإثنين بعد رحلة شاقة التصقت فيها بمقاعد الطائرة والباص لمدة إثنى عشر ساعة ، بدأت الرحلة من نواكشوط مع توقف في الدار البيضاء و القاهرة لينتهى الأمر بالاسكندرية ،حيث المنتدى .الأمر الذي كان كافياً لمنحى جرعة كثيفة من التعب .
بدأت صباح الثامن والعشرين من إبريل أولى جلسات المنتدى ،وأولى لحظات الاحتكاك الحقيقي بالمشاركين وهمسات التبادل المعرفي  .
فكان النشاط عبارة عن عرض حول هيئة كير مع خلفية عامة عن دور الاعلام في المساءلة المجتمعية
،وقد أدار النقاش وحاضر فيه كل من عمرو لاشين و الدكتور رفعت السيد الذي حاول الإجابة على السؤال التالي : " كيف يمكننا معرفة إن كان الجميع يعمل من أجل مصلحة المواطن ؟"
حيث قال :"الإجابة على السؤال الأول هو انتهاج المساءلة المجتمعية وأن يكون المواطن هو من يراقب ويحاسب ويشارك في كل القرارات".

 و قدم لنا مجموعة من الملاحظات والمعلومات حول المساءلة المجتمعية ودورها في الحكم الرشيد والحوكمة و نشر ثقافة الشفافية  ،و كشفت النقاشات التي حدثت أثناء الجلسة بعد تمرين قدمه لنا حول دور الإعلام في المساءلة المجتمعية عن وجود حالة من عدم الثقة في أن وسائل الإعلام العربية تلعب دوراً مهما في ترسيخ ثقافة المساءلة المجتمعية .
بعد انتهاء الجلسة الأولى من المنتدى 
أخذنا استراحة لمدة ساعة ،ثم انتقالنا إلى الورش ،حيث كانت هناك ثلاث ورش عمل متوازية (المحتوى هو الملك القادم -ورشة بناء المنصات الاجتماعية للمؤسسات الاعلامية -ورشة التأكد من المحتوى ) ،فقمت بالانخراط في ورشة التأكد من المحتوى مع لؤي نجانى .
حيث قدم لنا المحاضر في الورشة مجموعة من الأساليب للتأكد من المحتوى ،ولكن أهم مافي الورشة هو العرض الذي قدم حول موقع أبو الهول الذي يديره حيث تتركز فكرته الساخرة على تقديم أخبار كاذبة بشكل مقصود مع تنويه بأن الموقع هو مصدرك للأخبار الكاذبة .وحدثنا عن وقوع مؤسسات كبيرة مثل الجزيرة و bbc  في الفخ ونشرها أخبار من موقعه على أنها حقيقية ،وهو مافتح النقاش حول استسهال بعض الصحفيين ونهمهم لزيادة التصفح على حساب المهنية .تجربة الموقع ونقاشنا ذكرنى بمانعاني في موريتانيا من كذب مواقعنا والحملات الساخرة منها التي يقوم بها النشطاء على الشبكة .
وبعد انتهاء الورش الصباحية أخدنا استراحة ثم انتقلنا إلى مجموعة أخرى من الورش المتوازية وقمت باختيار ورشة حول صحافة الفيديو مع الإعلامي المصري محمد سعيد محفوظ .حيث بدأ الورشة بتقديم صورة بانورامية عن الإعلام الجديد وانتقالها من مرحلة التصفح والنشر إلى التفاعلية ووصلها إلى مرحلة الذكاء والقدرة على فهم المستخدم .وقدم لنا أيضا مجموعة من أسياسيات صحافة الفيديو وفوائدها .
وفي تمام الساعة السابعة كان لنا لقاء مع الفلكور المصري بكل أصنافه وحلقنا مع التنورة و الرقصات والأغاني الصوفية والأغاني الاسكندرانية والرقصات الشعبية المصرية 
وذلك أثناء الافتتاح الرسمي للمنتدى الذي شهد أيضا كلمة لمدير المنتدى أحمد عصمت ،أثنى فيها على المنظمين ورحب بالحضور ،وكانت هناك كلمة لعميد كلية الإعلام في جامعة فاروس حيث ينظم المنتدى وكلمة عن المعهد السويدي بالاسكندرية .
بدأ اليوم الثاني بجلسة نقاش مفتوحة بعنوان تجارب وشهادات :التغطية في مناطق النزاعات مع عبير السعدي -ومحمد فؤاد-ألكسندر بوشانتي.
حيث تحدثت عبير عن تجربتها في تغطية النزاعات وتعرضها لكسر في الفك نتجيته لعملها ،وعن ضرورة وضع اَليات لحماية الصحفيين أثناء تغطيتهم للأحداث اليومية وضرورة نشر ثقافة التدريب بينهم و تحدثت عن الواقع المصري ومايتعرص له الصحفي المصري من مضايقات ،واحتلال مصر للمركز الثالث على قائمة الدول الأكثر خطراً على الصحافة .
وتحدث الصحفي محمد فؤاد عن تجربته في تغطية الثورة الليبية و ماتعرض له من مشاكل أثناء عمله،أما مراسل إذاعة فرنسا الدولية ألكسندر بوشانتي فقد بدأ مداخلته بالهجوم على وسائط الإعلام الجديد ،واعتبر أنها كارثة على الصحافة، وأكد أنه لا يؤمن بقصة صحافة المواطن ،حيث قال :"لا يوجد طبيب مواطن 
لذلك لا وجود لصحفي مواطن وعلى الصحفي أن يدرس الإعلام ". وهو تناقض صارخ فالرجل درس الأدب الفرنسي ولا علاقة له بكليات الإعلام وينظر الاَن في الصحافة و الرجل يحاضر أيضاً في منتدى للاعلام المجتمعي الذي يعتمد على الوسائط الجديدة للاعلام وصحافة المواطن .
وبعد الجلسة الصباحية المفتوحة شاركت في ورشة حول الأمان الرقمى يسيرها صديقي الرائع محمد الجوهري .حيث قدم لنا مجموعة من المعلومات المفيدة حول حماية أنفسنا على الشبكة .
وبعد ذلك انخرطت في ورشة حول كيفية بناء المشاريع الاعلامية مع أحمد عصمت و أيمن صلاح ،غلبت عليها العفوية والحركية، وأكدت لي أن بناء المؤسسات الاعلامية يجب أن تسبقها دراسات ودراسات والإجابة عن السؤال الوجودوي 
الذي يقول :"مالجديد والمختلف لديك ؟".
وفي المساء افتتح المعرض الإعلامي ،حيث اطلعت من خلاله على مجموعة من المشاريع الاعلامية المجتمعية الرائعة .
بدأ اليوم الثالث من المنتدى بجلسة مفتوحة حول حماية الصحفيين في وقت الأزمات مع محمد سلطان،
ومن ثم في ورشة حول قوانين الإعلام مع الرفيق أحمد عزت ،قدم لنا فيها عرضا حول ضرورة تحرير المعلومات من سلطوية الدولة وجعلها مشاعة للجميع ،وأكد خلالها على غياب إرادة سياسية في أغلب الدول العربية على خلق جو من الشفافية يضمن تداول المعلومات ،خاصة أن القوانين العربية تقف دائما ضد تلك الفكرة بحجة الأمن القومى وما يشبهه من حجج.
وكان ختام مشاركتى في الورش مع صديقي الرائع محمد القاق من الأردن،حيث قدم لنا عرضا حول التوثيق البصري وتأثيره في شبكة الأنترنت .
وعرض لنا مجموعة من التجارب العربية والعالمية يدعم بها فكرة ضرورة التوثيق البصري ،و كان أكثرها جدلاً في القاعة صورة "ست البنات "التي فتحت النقاش بين المشاركين المصريين حيث حاول البعض أن يشكك فيها فوقف بوجهه الحضور وأكدوا عليها ،وفتحت النقاش حول القمع .
لم أتكلم هنا عن مدينة الاسكندرية ولا جمالها ولا الاستقطاب السياسي و "الحملات الانتخابية "والشعب الرائع و الكتابات الحائطية المناهضة للعسكر المنتشرة في المدينة ولا أصدقائي و لا المشاركين والتنظيم ،لأنها أمور يجب أن يكتب عنها لوحدها من دون خلط ببقية الفعاليات،و سأفعل في التدوينة القادمة .

الاثنين، 20 يناير 2014

يوميات ملتقى المدونين العرب في عمان


صورة من تجمع المدونين (دفاع الأصوات العالمية )
متعب جداً ويغالبني النعاس ويغازلني السرير لكن لايمكنني التسليم للنوم قبل أن أدون عن يومي المميز الجميل،عن أول يوم من ملتقى المدونين العرب في عمان ...عن أحداثه وفعالياته ..
فكم يسعدني أن أتقاسم معكم أفكاره ومعلوماته،وأحاول أن أنقل لكم جزء من الصورة وأبعث من خلال حروفي روح الملتقى لكل من لم يحضر ويتوق لمعرفة مايجري فيه .
بدأت فعاليات الملتقى في الساعة التاسعة بتوقيت عمان بفندق اللاندمارك،حيث تجمع المدونون القادمون من كل الأقطار العربية رفقة بعض المدونين والأكادميين من دول غربية،تجمع الكل ونظم حلقة بشرية وبدأت عملية التعريف بالمدونين،حيث قدم كل واحد منهم نفسه وعبر عن شعوره باللحظة ،وكان ربط الأردني محمد القاق وهمساته الكوميدية وخفة ظله هي ملح اليوم .
وبعد عملية التعريف انتقل الكل إلى مرحلة العمل وتقسم المدونين إلى مجموعات ودخلوا في ورش خمس هي : حوكمة الأنترنت والمناصرة وكتابة القصة الألكترونية والأمان الرقمي وتحويل البيانات  . 
وقد اخترت المشاركة في ورشة حوكمة الأنترنت والمناصرة مع الناشط اللبناني محمد نجم وريم المصري وذلك لاحتياجنا في موريتانيا للتعرف أكثر على الشبكة ومن يتحكم بها و إلى تطوير مهارتنا في المناصرة والحملات الألكترونية .
شاركت في هذه الورشة وفي ذهني قانون مجتمع المعلومات الموريتاني الذي أصدره مجلس الوزاء قبل فترة وعباراته المطاطة .
وبدأ النقاش حول من يتحكم بالأنترنت وبعض أساسيات حوكمة الأنترنت ومصطلحاتها ،و عن منظمة Icann التي يرأسها البناني فادي شحادي ،تلك المنظمة الغير ربحية التي تعتبر المتحكم الأول في الأنترنت و التي تأسست عام 1998 , حيث تختص بتوزيع و إدارة عناوين الاي بي وأسماء المجال وتخصيص أسماء المواقع العليا (ومثال ذلك .com, .info, وغيرها) في جميع أنحاء العالم، ولها وظيفة إدارة الموارد الرئيسية للبنية التحتية للشبكة مثل الحواسيب القاعدية root servers. 
ومن بعد ذلك انتقل النقاش إلى بوادر تشكل حوكمة الانترنت الذي بدأت ارهاصاتها ٢٠٠٣ في مؤتمر المعلومات في جنيف، ذلك المؤتمر الذي كان بمثابة رد فعل على تحكم القوى الغربية في الأنترنت ،وتحدث بعض الحضور عن عن مؤتمر الأنترنت الذي يقوم على التشاركية بين القطاع الخاص والعام والمجتمع المدني للحديث عن الأنترنت وعن أزمة وعن أزمة طغيان الحكومات واحتكارها للقرار في حوكمة الأنترنت و ضرورة أن يفرض النشطاء صوتهم في نقاشات حوكمة الأنترنت .
ثم وصل النقاش إلى الاتحاد الدولي للاتصالات Itu،و هو وكالة الأمم المتحدة الرائدة في مسائل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. ويتمثل دوره في كونه النقطة المركزية العالمية للحكومات والقطاع الخاص في مساعدة العالم على الاتصال، ويضم ثلاثة قطاعات رئيسية هي الاتصالات الراديوية، قياس نسبة الولوج إلى الأنترنت عبر العالم وهو الذي يضع معايير حوكمة الأنترنت لكنه لا يتحكم فيها . 
وتحدث البعض عن قيام دول مثل روسيا والجزائر والإمارات بالدفع من أجل التحكم بالانترنت من خلال اتفاقيات عالمية عبر Itu .
وانطلق النقاش إلى جدوائية مؤتمرات حوكمة الأنترنت التي تنظم في دول قمعية ،حيث قال الصحفي والناشط اليمني وليد السقاف : 
أنه حضر مؤتمراً في الجزائر حول حوكمة الأنترنت ولاحظ أن التوصيات التي خرج بها المؤتمر هي تمجيد للدول القمعية وأن توصياته التي قام بها تم رميها عرض الحائط . بدورها قالت ريم المصري من موقع حبر أن مسئول الاتصال في الجامعة العربية قال لها لا نستطيع دعوتكم لمؤتمر لحوكمة الأنترنت لخطركم على الأمن القومي ،وهو مايفيد تعمد الأنظمة العربية اقصاء النشطاء و منظمات المجتمع المدني من نقاش حكومة الأنترنت واحتكار الحكومات للقضية. بعد ذلك قامت ريم المصري بتقديم عرض حول خط سير الأنترنت وعرض توضيحى لخط سير الإيميل وسكايب، ذلك الخط الذي يخضع لسياسة كل بلد وقامت أيضا مع محمد نجم بعرض توضيحي حول خط سير المادة البحثية على محرك البحث جوجل. 
وانتهى بعد ذلك الجزء الأول من الورشة التي ستستمر ثلاثة أيام وهو نفس الأمر بالنسبة لبقية الورشات الصباحية وأخذنا راحة من أجل الغداء .
 
عدنا إلى الميدان في الساعة الثانية والنصف وانقسمنا مجدداً إلى مجموعات وبدأنا عصفاً ذهنياً حول احتياجات المدونين وماذا يستطيعون تقديمه من الخبرات،لتتمخض عن ذلك مجموعة من الورش المصغرة وحلقات النقاش وهي: 
ورشة الأمان الرقمي، و نقاش حول تأثير الرأسمالية على محتوى التدوين في الورشة الأكاديمية وورشة الحكايات الرقمية وتمويل النشاطات .
قمت بالانخراط في ورشة الأمان الرقمي والتي كانت تدور حول صناعة كلمة سر قوية، ويسرني أن اطلعكم على معلومة قالها المدرب وهي أن أفضل كلمات السر هي العشوائية والتي تتخطى أكثر من ١٦ خانة لأن ذلك يصعب تخمينها بل يجعله مستحيل .
بعد انتهاء الورشات تجمعنا في استقبال الفندق من أجل العشاء في مطعم زوربا و جمعتني الطاولة مع المدون الموريتاني ناصر ودادي والتونسي مالك خضراوي والمصري طارق عامر وجرى نقاش رائع وعفوي جاب أغلب قضايا الوطن العربي .
وكان الطابع العام لجو المطعم هو الشغف بالحياة والفرح فالمشاركون غنو للحياة كثيراً ...باختصار كان يومي رائعاً وساحراً مثل عمان...استفدت فيه واستمتعت ونسيت معاناتي مع تأشيرة الأردن التي انتظرتها لشهر كامل حتى كدت أفقد الأمل في الحصول عليها .
قبل أن أنام،أريد أن أخبركم أني سأحاول الكتابة بشكل يومي عن فعاليات المؤتمر و سأواصل أيضا التغطية الفورية عبر التغريد على وسم الملتقى #Ab14.


الخميس، 5 يوليو 2012

رحلة إلى كينيا

وصلت صباح يوم الخميس  5-7-2012 لعاصمة الظلم والقهر والفساد والعبثية والعشوائية"نواكشوط" حيث تقطن الديكتاتورية بأبشع صورها، وصلت  بعد رحلة  ممتعة إلى كينيا صاحبة أكبر اقتصاد في
شرق افريقيا، حيث تتعانق الطبيعة الجميلة مع التاريخ.
كان هدف الرحلة هو المشاركة في قمة الأصوات العالمية 2012 المنعقدة في نيروبي حيث سيلتقى المدونين من كل حدب وصوب بتعدد مشاربهم واختلافاتهم الإثنية والعرقية وتمايز ثقافاتهم.
انطباعات :
منظر طبيعي من مدينة نيروبي 
في الطريق من المطار إلى الفندق حيث سأقيم سرني التطور العمراني الحاصل في مدينة نيروبي فهي مدينة عصرية بامتياز وأخذني سحر طبيعتها، هي معرض مفتوح للحدائق.
فالأشجار والأزهار والحدائق أكثر بكثير من المباني فأين ماوليت وجهك تجد حديقة وكل ما تحركت  وصلت اليك رائحة الأزهار الباذخة.
مع بداية المؤتمر سرني تنظيم الكينيين المحكم للمؤتمر وبشاشة وجهوهم وكرم ضيافتهم.
و سعدت كثيرا بمشاركتي في الورشات والنقاشات المفتوحة والثنائية التي كانت تحدث يوميا في المؤتمر، حيث مثل لي تعدد مشارب المشاركين واختلافهم فرصة كبيرة للتعريف بموريتانيا وحراكها –موريتانيا المجهولة عند أغلب المشاركين-!.
مثلا سألتني باكستانية من أين أنا، فقلت من موريتانيااستغربت الإسم وقالت أنها لم تسمع به من قبل ففحت هاتفي لأطلعها على معلومات موريتانيا على ويكيبيديا ولتكتشف أن علمها يشبه علم بلدها.

الروح اللاتينية المرحة 
ليلة لاتينية :
في ليلة نهائي كأس الأمم الأوربية، ذهبت مع مجموعة من المدونين اللاتينيين الى مطعم كيني لمشاهدة المباراة ...كنت أنا المشجع الوحيد لأسبانيا!.
حيث وقف البانميين والمكسيكيين والبرازيليين مع الإيطاليين لكن هذا لم يفسد الجو فقد كان الفرح والشغف بالكرة يملئان المكان، كانت الروح اللاتينية الجميلة تحلق في الافق وتعطي لليلة طابعا خاصا دافئ وحيويا.
فرغم أن الإسبان نالوا من كرامة الإيطاليين برباعية مع قدر من الامتهان  إلا أن ذلك لم يكن مصدر حزن ولا غضب لمشجعيهم فكانت الروح الرياضية هي الأعلى صوتاً تلك الليلة.

الدراعة :

في اَخر ليلة لي  في" نيروبي"، قمت بلبس "الدراعة "في حفل أعده المنظمون وكانت" الدراعة"هي نجمة الحفل بامتياز وبدون منازع، فقد أبهرت الكل وأسرتهم بتفاصيلها وسحرها.
فالكل تلك الليلة أراد التقاط الصور مع "الدراعة " فالإفريقي يرى فيها نفسه و"البيروفي" أخذته بجمالها والصيني أسرته باختلافها ...والعربي ذكرته بأمجاده الضائعة.
لقد سرني ما لقته "الدراعة "وزاد فخري بها فقد جعلتني متميزا في الحفل، طغت بسحرها على كل الحاضرين وطبعت الحفل بطابعها فكانت هي أيقونته.
و الاَن  أريد أن أشارككم هذا الصوت الكيني  الجميل الذي أتمنى أن تسعدوا بسماعه:


وهذه الرقصة الكينية التقليدية التي أدخلت إلى نفسي السرور وفرض علي جمالها أن أشارك الراقصين رقصهم:



الاثنين، 28 مايو 2012

نواكشوط -تجكجة :ظلم وألم (رحلة )


صورة من "ابي تلميت "بعدستي 

انطلقت صباح يوم الخميس  25-5-2012 في رحلة الى ولاية تكانت...رحلة متعددة الاغراض والاهداف منها الاستكشاف والتغيير والتوثيق...انطلقت رفقة مجموعة من الرفاق الذين يجمعني بهم هدف إسقاط النظام العسكري في موريتانيا .
كانت رفقتي هادئة طوال الرحلة منشغلون بأورادهم وتأملاتهم لذالك وجدت فرصة للتأمل والتفكير .
وما إن خرجنا من نواكشوط و أصبحنا على طريق الأمل حتى تذكرت قصة المواطن الموريتاني الذي جاء للوطن أول مرة بعد ان قضى عمره في إحدى دول الخليج ...وعندما قرر ان يذهب الى اهله في أحدى المدن الواقعة على طريق الأمل عدل عن قرار فور وصوله الى طريق الأمل  ورجع ادراجه ورفض أن يسافر عن طريقه وقال :"هذا ليس طريق أمل بل خيط هلاك وقطعه انتحار" .
هذه القصة لا تفارقني لا ن بها بعض الحق فكثيرا من شباب المدن الواقعة على هذا الطريق قضوا نحبهم بسبب خطورته .
حتى أنني وللمصادفة وانا أتذكر قصة الشاب كادت تحدث امام عيني كارثة أخرى حيث ارتطمت مؤخرة سيارة" مرسيدس 190 "بمقدمة إحدى شاحنات البضائع لكن الحمد لله مرت الحادثة بخير ولم يصب أحد بأذى .
الذهاب :
بعد وصولنا لمدينة" أبي تلميت "ذكرني وضع المدينة بالظلم الواقع في موريتانيا فالمدينة لم يتغير فيها أي شي طريق واحد منذ عشرات السنين لا تنمية والعطش يهدد حياة الناس .
رغم ما لهذه المدينة من تاريخ مشرف وإسهام كبير في نشأة موريتانيا  ودور لنخبها في بناء موريتانيا  .
صورة من مدينة "ألأك" بعدستي
وفي مدينة ألاك أخذنا استراحة عند أحد مطاعم المدينة كانت الاستراحة بمثابة الاستكشاف فمع دخولنا أخبرتنا صاحبة المطعم بأن المعارضة  تنوي  تنظيم نشاط من أجل إسقاط النظام وانها لو علمت به قبل أيام لسافرت لتحضره .
وعندما سألنها لماذا قالت نحن جياع فخنشة الارز ب 13000ألف أوقية بعد أن كانت قبل حكم هذا الجنرال ب6000أوقية هذا النظام يجوعنا .
وتحدثت لنا عن شقيقها الذي  يستشيط غضبا عند ذكر اسم الجنرال بجانبه حيث يقول أنه لو كان بالموريتانيين دماء لخلعوه ...أيضا حدثتنا عن زيارة الجنرال لمدينتها وكيف انها رفضت هي وزملائها أصحاب المطاعم أن يضعوا صورالجنرال بعد أن طلب منهم ذالك وقالت كيف ندعم من يجوعنا .
وبعد التوقف انطلاقنا نحو الهدف وهو ولاية "تكانت "وخلال سيرنا ذكرتني الانابيب المرمية على جنبات الطريق بين مدينتي ألاك و"مقطع لجحار" بنكبة الأخيرة وفجر النظام .
بعض الانابيب على طريق مقطع لحجار -الاك "بعدستي
ذكرتني بجريمة الجنرال وقتله حلم سكان المدينة في المياه الصالحة للشرب ...ذكرتني بقصة مشروع ماء "مقطع لحجار" وكيف أن الجنرال أفشل التمويل المقدم من الحكومة الاسبانية   الذي حصل عليه الرئيس  سيدي ولد الشيخ عبد الله قبل الاطاحة به من قبل الجنرال نكاية في الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله وحتى لا يحسب له ذالك المشروع.
حيث طلب بواسطة  حكومته وعلى على لسان وزيرة الخارجية آنذاك" الناه بنت مكناس"،تحويل المبلغ المخصص لمشروع تزويد مقطع لحجار بالمياه الصالحة للشرب الى مشروع آخر.
ومازلت مقطع لحجار تدفع ثمن حقد الجنرال على الشعب الموريتاني.
قصة العطش لم تنتهي عند مقع لحجار فعند كيلومترات قليلة من مدخل مدينة المجرية اوقفتنا  عجوز مع صبية تطلب المياه وعندما لبينا طلبها حدثتنا عن العطش عن الجوع عن الظلم .
وواصلنا سيرنا ووصلنا مدينة المجرية التي كان سكانها ومعناتهم من ظلم النظام والطبيعة بانتظارنا حدثونا عن العطش أيضا .
صورة من مهرجان مدينة "تجكجة"بعدستي 
وانطلقنا الى تجكجة حيث اكبر المدن والتي بها ستكون خاتمة رحلة الذهاب والتي كان سكانها ينتظروننا بشغف من اجل ان يعلنوا حنقهم من النظام وظلمه  .
حيث حضروا بكثافة للمهرجان الذي نظمته المعارضة هناك ...فقد رفضوا ما عرضه عليهم النظام من قمح وحبوب أثناء المهرجان رغم حاجتهم وفضلوا التعبير عن غضبهم من النظام ... فقد استقبلوا وفد المعارضة كالفاتحين استقبلوهم بالخيول والزغاريد والشعارات المناهضة للنظام.


.
صورة من استقبال تجكجة للمعارضة "بعدستي "

العودة :
يسقط حكم العسكر على صخور "أشتف"
لا نني قطعت "أشتف" ذهابا في الليل لم ألحظ التغيير الذي طرأ عليه ومع عودتي سرتني كتابة رفاقي من حركة 25 فبراير عليه حيث كبتوا شعارتنا التي جمعتنا مثل "يسقط يسقط حكم العسكر ".
وكذالك لم أرى مدينة" النبيكة" الجميلة الحالمة إلا في رحلة العدوة تلك المدينة التي حافظت  على جمالها رغم الجفاف والقحط .
وفي التوقف الذي قمنا به في مدينة" شكار" عند عودتنا  سمعت معاناة الناس مع الجفاف وإجحاف خطة أمل حيث قال لي الرجل الطيب الذي كان يستضيفنا مشكلة خطة امل :"أنها بإشراف العمد  والحكام و ؤلائك يملكون البقر وأقاربهم أيضا يملكونها لذالك لا مكان لنا نحن الفقراء في هذه الخطة فحيواناتنا مصيرها الهلاك فالجفاف متصاعد والنظام مستهتر "
من خلال هذه الرحلة اكتشفت أن مواطني الداخل يعانون من إتفاق  غير مبرمج بين الطبيعة والنظام حيث تفاقم قساوة الطبيعة ظلم النظام .
طوال الرحلة لم تتوقف عناصر الشرطة والدرك عن سؤالنا عن انتماءاتنا السياسي وعن اهداف سفرنا ...وكان ردنا واحد وهو إسقاط نظام الجنرال .
و لم تفارق مخيلتي  صورة الحيوانات النافقة واحاديث الناس عن الظلم وشكاواهم من النظام .
لذالك طبقت نصيحة قالها لي أحد الرفاق الذي كان معي الرحلة حيث قال لي أن افضل ساعات إجابة الدعوة هو وقت ٌالسفر "المباح "لذالك دعوت لهم الله أن يجعلهم يثوروا ضد هذا النظام ويأخذوا حقوقهم منه .
أحمد ولد جدو