الأحد، 21 أكتوبر 2018

نحو بلاد الباوباب، سرت



"انظروا إلى المباني الشاهقة والجذابة، وللطريق السريع والرحب والمرحب، لقد دخلنا داكار". قالها بابتهاج تنغصه حسرة وغصة وغضب وكمد، وترك لسانه كالشلال المنسكب بقوة، يمجد اللحظة ويجلد الذات. وهو المريض الباحث عن علاج لم يجده في وطنه.
وتبعه في ذلك بقية ركاب الحافلة القادمة من نواكشوط، عاصمة الشحوب الأزلي، المدينة التي لا تشبه المدن، ولم يبدأ ذلك الحديث والشعور عند ولوج دكار بل منذ عبورنا عن طريق سد "دياما" ودخولنا الأراضي السنغالية، وكان يتعمق كلما توغلنا جنوبا، حيث توقفت عبثية الطريق وعذاباتها، ففي السنغال طرق لا ترصعها الحفر، وأعدت لتنقل البشر وليس للتدريب على المسالك الوعرة والفاتكة، وطوال الرحلة، كانت المقارنات بين ضفتي نهرنا، الجنوبية والشمالية، تسيطر على أحاديث الركاب، وهم قوم من مشارب شتى.
وأكثر جملة ترددت على الألسن، هي:" ليس لديهم غير الفول السوداني والبقوليات وحالهم أفضل منا نحن ملاك الذهب والحديد والسمك وأشياء أخرى".
ورغم محاولات البعض التخفيف على نفسه بالقول أن السنغاليين يطلبون الصدقات لبناء دولتهم، لكنهم يتذكرون أن موريتانيا دولة مسكينة، باحثة عن "الصدقات"، لكن حكامها يلتهمون كل شيء، الثروات والصدقات، فيشتد الأنين والسخط.
***
حين خرجنا من نواكشوط وتقدمنا قليلا في الطريق، بدأت حكايتنا مع البؤس تستفحل، فلا شيء هناك يذكر بغيرالفناء البشع والذبول، وكل متر نقطعه كان يصدق ويصادق على ما جاء في الوثائقي الجزيري المعنون بالطريق إلى داكار، الذي أغضب قبل أشهر "أنبياء" "شعب الله المختار" وجماعات وطنية تمجيد البؤس والفساد.
وظلت الحفر والمطبات تنكل بنا طوال ما كان يطلق عليه "طريق روصو"( رحمه الله وغفر له)، ولم يتوقف ذلك الهم، إلا عند وصولنا لمنعرج كرمسين، حيث بدأ ما يشبه الطريق وبدأت ملامح جمالية تتسلل لرحلتنا، وخفت مظاهر البؤس الموحش، وأصبحت الطبيعة الجميلة ترطبنا؛ بدأت الحياة هناك في أرض الخنازير البرية( عرات)، وحين دخلنا حظيرة جاولينغ، ازدانت اللوحة، ونسينا أن الطريق غير معبد، فقد خطفنا الخضار والحياة البرية البهية، والتربص بعائلات عرات( الخنازير البرية) والزواحف البحرية والتماسيح والطيور الجميلة، وتفاصيل تلك الحياة البديعة والبكر، فلم يسحقها البشر بعد.

وعند وصولنا للحدود الوهمية، لاحظت ما كنت أسمع من قبل، أن الناس هناك، مختلفون ويصعب عليك التمييز بينهم، فالقوم متجانسون وتحضر الحسانية والولفية في ألسنتهم بشكل متقارب، مزيج جميل، لمسته في شمال الأرض وحتى جنوبها، فسائق الحافلة التي نقلتنا من الحدود لعاصمة جنوبنا، داكار، سنغالي الجنسية وينحدر من مدينة سنغالية، غير بعيدة من موريتانيا، لكنه يتحدث الحسانية بطلاقة ولو سار في شوارع نواكشوط لن يلفت أي انتباه.
***
تمثال نهضة افريقيا

كانت توقعاتي لداكار أفضل مما رأيت، فكنت أظنه في مستوى " نيروبي" أو مثيلاتها من عواصم إفريقيا الجميلة، فلم أزره من قبل، ولم أره إلا من خلال الطائرة ذات عبور قصير. وفيما يبدو أن مدننا نحن سكان الغرب الإفريقي، لا تنافس!، لكنه بالمقارنة بعاصمتنا الشبحية، يعتبر مدينة مزدهرة ومبهرة، كأنه باريس.
داكار مدينة حيوية، فيها نقل عام معقول وأنشطة ثقافية ورياضية تغازل عيونك إعلاناتها أينما حللت، وساحات عمومية جميلة ومناطق خضراء لطيفة، كالسنغال عموما، ومسارح وشوارع وشواطئ معدة( رغم التلوث والأوساخ) للحياة، وأكثر ما جذبني في المدينة ولم يخيب ظني، هو تمثال نهضة إفريقيا، فهو صرح مهيب وفيه إبداع فريد؛ ومنطقته بديعة، ترى منها داكار والمحيط الأطلسي في اشراق وهناء.
وهو مشروع ضخم بني بإشراف كوري شمالي وأثار وقت تشييده الكثير من اللغط والرفض، وقد أتفق مع من يقول أن بلدا فقيرا له أولويات تنموية أهم من أمثال تلك الصروح والنصب التذكارية، لكنه جميل ومهيب وقد أسرني، كأشجار الباوباب السنغالية العتيقة والفارعة.
دكار عاصمة لدولة علمانية، وفعلا يرى المار مؤشرات لذلك في الفضاءات العامة والأسواق والمحلات، لكنني لاحظت حضورا طاغيا لمشايخ التصوف والمرجعيات الدينية، ففي كل ركن أو حانوت وحتى باص أو تاكسي ترى صورة لأحدهم وأدعيتهم؛ يطاردونك كلما خرجت للشارع، وخفت أن يخرجوا إلي من حنفية المنزل، وحتى حضورهم في المشهد السياسي جلي وطاغي، وبين الناس كذلك، وحين قارنت وضعهم بوضع نظرائهم في" الجمهورية الإسلامية الموريتانية" وجدت أنهم أكثر حضورا في السنغال، فالزخم الذي يحصل عليه رجال الدين هناك لا يحصل على ربعه أصحابهم في موريتانيا، فجماعتنا مساكين كالصحافة والمثقفين، يتبعون العساكر ويستخدمونهم في نزواتهم وبطشهم لا أكثر، مع استثناءات قليلة. ولمست من جدران المدينة حنق على فرنسا، فشاهدت بعض الغرافيتي الغاضب من الهيمنة الفرنسية على السنغال.
وفي السنغال، لاحظت أن هناك نوعا من التعامل السمح مع الموريتانيين، فالطلاب هناك بل المقيمين لا تفرض عليهم رسوم للإقامة، عكس السنغاليين في موريتانيا، الذين يعانون من رسوم الإقامة ويتعرضون للتوقيف الليلي والتنكيل بسببها.

الأحد، 16 سبتمبر 2018

عن مكان يحب المطر

الصورة من حساب الصديق  @Sirius_MR على تويتر


تناهى لسمعي أن السماء أكرمت مدينة بوتلميت بقدر وفير من عرقها المبارك والرحيم، فوصل تقدير البشر لتلك النفحة الغزيرة والمرطبة، ب61 ملم.
حدث هذا بعد سنوات من القحط والجدب والحرمان، وبعد دهر من الفتور بين سماء وأرض المدينة المخذولة.
***
أعادتني أخبار المطر الطيب، لأيام كانت السماء تحب تلك الأرض وتكرمها بالمطر الجزيل، فلا أتذكر أن السماء غمرت المدينة في العشرية الأخيرة، بمثل هذا العطف، فحرمان المدينة قديم.
و ذكرني هذا التهاطل الكثيف، بهطول للمطر حدث أيام طفولتي، أعرفه باسم لن أذكره لدواعي حقوقية وذوقية، ورغم أنه جمل المدينة وخضر نواحيها وبث فيها الحياة، إلا أنه ترك ذكرى حزينة، وهي وفاة شابة بسبب المطر، تقول إحدى الحكايات الشعبية التي استوطنت ذهني، أنها غرقت في بئر مطمور كشف عنه المطر، ولا أعرف إن كانت تلك القصة حقيقية.
وسبق ذلك التهاطل ملحمة من الرعود المزلزلة؛ لا يزال صداها في أذني.. فكنت أتخيلها صهاريج عملاقة ترمى على طريق الأمل من مكان شاهق العلو، وبروقا لا يفارق مخيلتي بريقها.
وتبعها اخضرار بهيج، فحتى "حوش" منزلنا في "الكود"، أصبح مكانا زراعيا لطيفا، فلا أزال أتذكر سنابل تلك السنة وأوراق الفول السوداني والطماطم التي نبتت فيه دون جهد كبير.
***
المطر أيام طفولتي، كان يعني البحث عن البرك النظيفة، البرك الصالحة للسباحة، كان هو الذهاب للنطفية الشرقية والساحلية وأي مظان للماء، وهو الركض نحو الكثبان الشاهقة للتزلج عليها ب"السيالات".. كان هو " علب بكل" وما يجاوره من كثبان بديعة، و"العلب الساحلي" وأي مكان يسمح بأن تتلون ثيابي باللون الذهبي الآسر.
كان المطر هو السير دون كلل ولا ملل نحو ضواحي بوتلميت للبحث عن "آتيل" وقطف "لمساويك"؛ كان التشرد الجميل والبوهيمية الحقة والسمحة.
***
اغتسلت المدينة التي تحب المطر إذن، وارتوت بعد عطش فاتك، فهل يلي ذلك اغتسال أعمق من أدران التزوير والظلم؟ أتمنى.

الثلاثاء، 27 فبراير 2018

رحلة إلى أرض الكثبان البيضاء

منظر من منطقة تندوجة

توقفنا عند مرتفع رملي باهر البياض، فريد الجمال، وأسفله سهل فسيح، خلاب ومريح للعين، تجاوره بعض من أشجار الطلح وتيشط وآتيل، قد تساقطت أوراقها لكنها ظلت شامخة، تنتظر عناق المطر الحرون، وتتناثر قربه شجيرات من تيتارك وأم ركبة، في مشهد بديع يميز أرض آوكار وآمشتيل، تلك البقاع الرائقة حتى أيام القحط والجدب؛ فالسماء والهواء والكثبان الرملية النظيفة ذات الملمس الحريري المداعب للأجساد- جعلتني تلك الكثبان أحرف كلام إبراهيم الكوني، وأقول: لن يذوق طعم الحياة مَن لم يتنفس هواء الكثبان-، تجلب السكينة والحبور؛ ففي تلك الصحراء الواسعة، تناغم ونقاء أخاذ وداهش، فصباحها المنعش وشروق شمسها المبهج و غروبها الآسر وليلها الساحر ونجوم السماء الوضاءة، يهذبون ويمتعون الروح
.
توقفنا ونحن في حالة ضياع نصفي أو لا أدرية وشك، وعند النزول للسهل، قابلنا أحد الرعاة يرافق قطيعا من الغنم؛ فسألناه عن وجهتنا؛ فدلنا على الطريق، وبعد أن تقدمنا عنه اكتشفنا أنه إحدى تجليات المعنى الصحراوي؛ فالرجل حكاية تحرر من قيد العبودية والجهل، فقد تعرف عليه أحد رفاق الرحلة.
وحكى لنا قصته، حيث كان ذات يوم ضحية استعباد، وفي أحد أيام العبودية الميلودرامية، كتب له من كان يستعبده في ورقة" أنت عبد جاهل"، وبما أنه لم يكن باستطاعته القراءة، استعان بشخص ليفسر له المكتوب. آلمت الجملة البغيضة صاحبنا أيما ألم، وبعدها، قرر الثورة وتغيير ذلك الواقع الظالم، وفك القيد ورفض الذل. ثابر وقاوم حتى" افتدى" نفسه من مستعبده الغاشم، وانتقل إلى شيخ زاهد في حطام الدنيا وصراعات أهلها، مبتعد عن المدينة؛ فكلما اقتربت منه رحل بعيدا ناشدا المزيد من النقاء.
وعند هذا الشيخ تعلم دليلنا الدرويش الثائر القرآن وأخذ الإجازة، وأصبح حرا كما يليق بأبناء الصحراء؛ فالصحراء هي الحرية ومبعثها، واليوم يملك قطيعا من الغنم، يعيش منه هو وزوجته، ويذهل الناس بترتيله للقرآن؛ فصوته جميل ومرطب للروح.
***
الضياع في الصحراء، قد يهدينا لعمقها ولب حكاياتها، والتغلغل أكثر في مضاربها، والاغتراف من القصص واللحظات الحميمية التي تبوح لنا بها. وفي رحلتنا وبعد تركنا للدليل الدرويش، مررنا صدفة ب"حاسي المبروك"، وهو موضع كنت تواقا لرؤيته؛ فهو أصل لحكايات وذكريات تخص أسلافا وحاضرين، طالما رويت لي وكنت أتخيلها، ومتشوق لرؤية مسرحها.
مررت على المكان خاليا من ناسه، وأبطال قصصه ومن أحبهم وأحبوه؛ فلم يبقى من ذلك العهد القديم إلا بعض ملامحه الطبيعية والحاسي المقاوم والمنتظر لعودة من ارتووا منه، حبا وودا، وأتمنى أن لا يكون انتظار الحاسي- البئر- لأحبابه ك"انتظار اسحاق".
***
الصحراء  لا تنقضي صدفها؛ ففي الحين الذي تظن أنك وحيدا وجماعتك في فضاء لا حدود له، وبينك مسافات شاسعة مع البشر، يخرج لك من رحم الصدفة عظيم الأخبار والمفاجأة.
وأثناء ذهابنا نحو إحدى وجهات الرحلة، وفي خضم البحث والتفكير في دليل، أعطتنا الصدفة خير دليل.
غمرتنا ونحن ننطلق من تندوجة ذات الكثبان البيضاء الوثيرة ومنطلق بعض الأحداث المهمة في تاريخ هذه الأرض، نفحة ندية من المكان الذي كنا ننوى التوجه له ودلتنا عليه- إن لم أقل قدم إلينا المكان نفسه-.
كانت النفحة هي لقاء دون ميعاد ولا اتصال مع رجل طيب يقطن تلك البقعة- أرض الشيخ المتصوف الزاهد- ويبث منها علمه وأخلاقه، وكنا نرنو للقاءه، وهو أحد العلماء الذين خرجهم الشيخ المتصوف والزاهد الذي علم دليلنا الدرويش وأخرجه من غياهب الجهل، وكان لقاءنا بالرجل الطيب قبل لقاء الدرويش الثائر، حدث اللقاء، هكذا صدفة؛ كحكايات الصحراء الأسطورية.
***
غادرت تلك الأرض المباركة والملهمة عائدا إلى نواكشوط، بعد أن صافحت صدفة وقصدا، بعض بقاعها؛ كتيدأملين وتامرزكيت وعين السلامة وتندازبير وبئر العافية، وعلقت في ذهني تفاصيل ومشاهد أخرى-قد أحكيها ذات يوم- وأسئلة عديدة.
غادرت على نية العودة المتأنية، لأغوص في بحار تلك الصحراء عديمة السواحل، وأبحر في عوالم ناسها وحيواتهم وأساطيرهم الجميلة، وتاريخها ومن صنعوا القيم فيها، وشخوصها الباقية في الأذهان رغم الغياب وتقلبات الزمن.

الاثنين، 18 سبتمبر 2017

بوح عن صديق


مرت بي لحظات آثرت فيها الوحدة هربا من زيف الأحداث والشخوص، لم أعد أجد نفسي في تجمعات البشر الزائفة، أنوفهم المزعجة وعيونهم الوقحة وأفواههم الكاذبة لم تترك لي مجالا للرغبة في الخروج من عزلتي، وحتى وإن جربت، أشعر بالوحدة في حشودهم، حتى أني مللت من نفسي البشرية.
ضعت دهرا في رحلة بحث عبثية، كنت أبحث عن شيء لم أستطع فك شفرته، جربت الحياة بكل تمثلاتها، أطلقت العنان لرغباتي حتى المجنونة منها!.
طالت الرحلة لكن النقص زاد، والتيه توطن والحيرة صارت نهجي.
كنت كثير الرؤى لكن من دون مبالاة، لم أحاول فهم أي رؤيا، فلم أهتم. اشتدت حالتي بؤسا، لكن لقاءنا الأول، كان بداية لشيء لم أفهمه ساعتها.
كان صدفة غريبة تشبه الحلم الهامس، كان هادئا في مكان مفعم بالحياة، وكان الوقت متأخرا نسبيا ولم أكن تلك الأيام أخطط للسهر في جماعة كبيرة؛ لكن حضوره بعث في رغبة البقاء. لم يسبق لي الحديث معه رغم أني سبق ورأيته في أماكن أخرى لكن دون كلام، ولا أعرف هل تفطن لي قبل لقاءنا الأول.
كانت سهرة لطيفة، تحدثت فيها كثيرا؛ فليلتها اجتاحتني رغبة في الحديث معه لأطول وقت ممكن فقد شعرت أني أحدث نفسي، كلامه كأنه صوتي الخفي أو شيخ نقي السريرة أحتاجه.
كانت سهرة روحية علاجية أزالت ضيق صدري ونفسي وخففت أرقي.
مرت الأيام بعدها ليتحول لأهم شيء في يومي، وكأنه شيخ وأنا مريده أو أني الشيخ وهو مريدي؛ فاليوم الذي أقابله فيه كأنني ظفرت بمعني الكون وحين يغيب أشعر بالنكوص والغم.
لم أفهم ما الذي حدث وماذا تعني حالتنا؟ لكني اقتنعت أننا روح واحدة في جسدين، أفكارنا متناسقة كالمجرات؛ هو بالتأكيد نفحة رمضانية مباركة.

زاد استغرابي، وفي ليلة رمضانية مقمرة وصافية الجمال. زارني المعلم شمس التبريزي، وقال لي: "جئت لأطفئ حيرتك، أنت وهو حالة نقاء والتقاء تتكرر كل سبعمائة سنة وأزيد قليلا، هو رفيقك الروحي كما كان جلال الدين الرومي رفيقي الروحي، أنتما، أنا وهو ولا يمكنني تحديد أيكما أنا وأيكم جلال؛ فذلك يفسد المعني، أنت وهو تكرار لحكاية جدك وجده".

الأربعاء، 16 أغسطس 2017

حنين

مدينة بوتلميت

يحدث أن نضيع منا في زحمة اليومي، يشكلنا الواقع، ويحدد أولوياتنا ثم تتسرب ذواتنا منا، نصبح غيرنا وجزءا من كل وننسانا.
نضيع في العام ونهدر حقنا الخاص، وحاجاتنا الروحية؛ لكن بعض الأحداث ولحظات الصفاء  تمطرنا بماء الذكريات، يغسلنا ويعيدنا للبدء، للتكوين الأول، وللحميمة والطفولة وللبراءة؛ لما قبل التوجهات والتصنيفات المفروضة أو المؤنسقة والمغلقة بأبواب الوثوقية والقطيعية، لأصدقاء الصبا وأماكنه؛ وقد يحدث ذلك من دون سابق إنذار.
وأنا اليوم، بدأت فيما يشبه رحلة الهجرة نحو محيط الذكريات، أبحث عن أشلاء البدايات؛ لأجمعني من جديد وأعيد التشكيل.
ولا يفارق مخيلتي طيف صديق طفولة في مدينتي الأولى، المدينة التي تسكنني رغم أني لم أسكنها.
 يغزو صديقي مخيلتي بكل ود، لا أتذكر اسمه لكنني قادر على  رسم شكله؛ فأنا رسام أضاع موهبته العيش في مدينة الظلم واللامعنى.
 وقد قابلته ذات مرة لكنه لم يلحظني ولم يعرفني؛ عله فعل السنين، يال حقارة الزمن والواقع.
أحن للمدينة وتفاصيلها ولصديقي، لإبراهيم ولد الدولة وترنيمته المباركة "ميمونة دارت ميالة"، ولقهقة سناد ولد أشوايل، وضربات لحبوس البلهاء للكرة أيام  ملاحم"ترنوار"، وصعود سعيدة ولفيجح.
 مخاوفي كبيرة، أخاف أن تكون ذكرياتي متوهمة أو مجرد خيال روائي فاشل أو تلبية لأغراض نفسية.
 سأواصل البحث، فالعملية ممتعة وثرية، والصديق قد يكون مجرد فكرة تناديني أو قيم ومرحلة من السمو والزهد أحتاجها، أو مجموعة من الرفاق الروحيين، إذن هو موجود وقد يتشكل في أشكال تعددية؛ صديقي فكرة وروح.

*أعتقد أن لوحة مفاتيحي هي من كتبت هذه الهلوسة ونشرتها من دون إذني، لذلك وجب التنبيه.

الاثنين، 10 أبريل 2017

الموريتاني يصارع الاحتباس الحراري وحيدًا!


بدأت المياه في السنوات الأخيرة تكدير صفو حياة المواطنين الموريتانيين المقيمين في العاصمة نواكشوط، حيث تحولت بعض أحياء هذه المدينة لأماكن محتلة من المياه المنبعثة من باطن الأرض، وغمرت منازل السكان وفرضت عليهم ترك مناطقهم والذهاب لمقاطعات وأحياء أخرى من المدينة، ومن أكثر مقاطعات نواكشوط تضررا من هذا الواقع، مقاطعات الميناء والسبخة ولكصر(خاصة منطقة سوكجيم ps (وتفرغ زينة، فبعض أجزاء هذه المقاطاعات أصبحت بحيرات دائمة وغمرت المياه بعض المنازل فيها، ولم تنفع محاولات السكان مقاومة هذا التغيير الذي حدث في مناطقهم وحولها لأماكن غير صالحة للسكن، وقد تضرر من هذا الواقع العديد من الأسر الموريتانية ومرجح للأن يتفاقم عبر الأيام والسنوات، وهذا الواقع ليس بالمستغرب ولا المفاجئ، فحسب البنك الدولي ، مدينة نواكشوط تقع ضمن قائمة أكثر عشر مدن في العالم تضررًا من الاحتباس الحراري، وهناك عدة دراسات أخرى، تقول أن المدينة في طريقها للاختفاء بسبب غمر المياه لها، فحسب دراسة موريتانية رسمية، سيختفي 80% من مساحة نواكشوط في ظل خمسة عشر عاما، حيث ستغمرها المياه، وهناك دراسات تتنبأ باختفائها في سنة 2050، وذلك ما تحدثت عنه دراسة أعدها المركز الجهوي للاستشعار عن بعد لدول شمال أفريقيا.

مدينة نواكشوط التي وضع حجر أساسها قبل استقلال موريتانيا بفترة وجيزة - استقلت موريتانيا 1960- وتحولت لأكثر مدن موريتانيا اكتظاظا بالسكان ومكانا لصنع القرار والسياسات العامة للدولة، تقع تحت سطح بالبحر بما يقارب 50 سنتمرا، وعبر الزمن تآكل الحاجز الرملي الطبيعي الذي كان يحميها من مياه البحر، حيث تم بناء المدينة برماله، فقد ظلت لزمن طويل هي المصدر الأساسي لكل عمليات البناء والتشييد، وهو ما تسبب في فتح ثماني عشرة ثغرة في الحاجز الرملي الطبيعي، وهو ما يعتبر تهديدًا خطير على المدينة.

وتقع المدينة على بحيرة جوفية مالحة يلاحظ ارتفاع منسوبها بشكل كبير، ويعزى ذلك لغياب شبكة للصرف الصحي في المدينة وهو ما يسبب أيضا تحول المدينة في موسم الأمطار لمستنقع كبير، حيث تتقطع أوصالحها وتتعطل حركة المواطنين. وقد تشبعت الأرض في بعض مناطق المدينة بالمياه المالحة وأصبحت غير صالحة للبناء، فمع كل حفر تنبعث المياه من باطن الأرض.

وأمام هذا الواقع المقلق تحدث أحيانا بعض المحاولات للتدارك، مثل محاولة تقوية الحاجز الرملي والحد من استنزافه، وكذلك محاولات بدائية لشطف المياه خاصة مياه الأمطار يقوم بها مكتب الصرف الصحي في العاصمة، لا كنها لا تصل لمرحلة الجدية في مجابهة خطر الماء الداهم.

نلاحظ مما سبق أن التغيير المناخي بدأ يتسبب في خسائر جمة للمواطنين الموريتانيين وفي طريقه لخلق المزيد من الخسائر، حيث يفرض عليهم ترك منازلهم والنزوح إلى أماكن أخرى، وهو ما يعني تكاليف مادية تثقل كواهلهم، كشراء قطع أرضية وبناء منازل جديدة أو تأجيرها، وهذا يفرض أن تكون هناك استراتيجية حكومية رسمية على المدى القصير والطويل، لتعويض المتضررين من هذا الواقع وهو ما لا يوجود لحد اليوم ولا تحدث إشارات توحي بأن النظام الحاكم في موريتانيا لديه مخطط أو نية للسير في هذا المنحى، إذن المواطن الموريتاني يقاسي من أضرار التغيير المناخي وحده من دون مساعدة الحكومة ولا دعمها، وهو أمر بالغ البؤس، لذلك أعتقد أنه من الضروري خلق حراك مدني فاعل ومؤثر من أجل المطالبة بتعويض من تضرروا من الواقع البيئي المضطرب في العاصمة وكذلك المتضررين اللاحقين منه، وأن يتوقف التفرج على المواطن وهو يصارع التقلبات وحيدًا، فتلك جريمة آن لها أن تتوقف.

الخميس، 2 يونيو 2016

لحظات من قمة نواكشوط" العربية"


قبل أيام، كنت أبحث بشغف في مكتبات العاصمة الوافرة عن جديد الكتب، عن شيء يداعب خلايا مخي التواقة بنهم مفرط لما يحركها ويوقظها من سباتها المقلق، فصادفت مذكرات ثرية للسياسي المخضرم عبد الله ولد سيدي، اقتنيتها بدون تردد لما أعرفه من أسلوب سردي باذخ يميز الكاتب عبد الله قبل السياسي ولتاريخه النضالي المبهر الملهم، فهو متصوف في حب التحرر، قدم للمذكرات الكاتب والصحفي اللبناني المخضرم أنطوان حنا، صاحب السبك اللغوي الاستثنائي الجميل كجبل عامل.
بدأت قراءة المذكرات وأنا في طريقي لمنزلي بحي الشهيد المشظوفي المجاور لنصب" المسؤول الفاسد المركول على المؤخرة"، كانت سلسلة رشيقة الحرف ثرية المعنى، ترصد بعض الملامح من التاريخ النضالي لبلدنا موريتانيا.
ضمت المذكرات تفاصيل جمة ومشوقة ومن بين الأحداث التي سكنت في مخيلتي ودفعتني للكتابة عنها، حديثه عن القمة العربية التي نظمت في العاصمة نواكشوط سنة 2016 قبل نصف قرن في عام مولدي، وأقتبس الآن بعض مما كتب:
"كانت مدينة نواكشوط باهتة بلا ملامح حيادية لا طعم لها ولا رائحة ولا موقف، كأنها تمثال شمع رديء الصنع. كانت لها خصلة مميزة وهي الهدوء النسبي والنوم باكرا كأي طفل وديع، لكن أيام التحضير لقمة الطغاة العرب التي تقرر تنظيمها في نواكشوط بعد اعتذار مملكة الطغيان في المغرب، حولت نواكشوط لمدينة مزعجة تجعل التحرك فيها عملية مضنية بائسة، كان الجنرال التائه يحاول وضع بعض البوتوكس لوجه المدينة المترهل المتجعد رغم طفولتها، وجهها الذي أنهكته جرائم العسكر المغتصبين.
كانت القمة العربية تنظم في أيام بلون الدم والطغيان، فالثورة المضادة التي عقبت الربيع العربي تقهقه منتصرة وتشرب كل يوم نخب سحق الشعوب، وقيل أن دكتاتور مصر القاتل الستاليني البليد المسمى السيسي، قد يحضر هو ورهط بغيض من الطغاة المتجبرين من أمثال هاوي التنكيل بالشعب السوداني، عمر البشير، الأحاديث وقتها لم تذكر أن نيرون العصر الأبله بشار الأسد قاتل مئات الآلاف ومشرد الملايين قد يحضر.
كان الوضع كارثيا فنواكشوط لا تحتمل كل تلك الأدران، فهي مدينة تتحول لمستنقع نتن كبير كلما جاء موسم الأمطار وسيكون البؤس أشد حين ينضاف للوضع قاذورات مخلفات مصانع الطغيان والفشل العربية.
حضور تلك الكائنات المضرة بالبشر والبيئة حرك مكامن الإحساس في جسمي، لذلك، خططت مع بعض الرفاق الشباب للتحرش بجبروت الثلة المجرمة.
أعلن أن القمة ستنظم في مكان خاص مجهز خصيصا لها، كان خيمة ضخمة كلفت مبالغ مهولة، رسمت ورفاقي خطة للتسلل وفعل فعلتنا.
وجدنا منافذ ضمن المنظمين وفي يوم الافتتاح تسلق أكثر من عشرين منا لسطح الخيمة وأثناء بث القمة المباشر أحدثنا تشققات في الخيمة وتبولنا بحرقة وألم على رؤوس محفل الطغاة، كانت آلام شعوب مكلومة تحركنا، وبقايا إنسانيتنا المحطمة بوصلتنا الوحيدة.
تم القبض بسرعة على بعضنا لكن حدث أمر شتت الكثير من الأوراق المجرمة، فالسماء انتحبت يومها وأسقطت الخيمة على جماعة السوء، تلطخت ثيابهم بطين نواكشوط الغاضب من حضور من خمروا دماء شعوبهم التي سكبوا بدون رحمة وعتقوها لأيام احتفالاتهم السادية، كان السيسي غارق يبحث عن من يساعده ولم يجد سوى يد مترهل الامارات والبشير 
سقطت على رأسه شظية من سقف الخيمة فدخل في غيبوبة وانتهك الطين جسده المنتفخ من خيرات السودان المنهوبة، كان جنرالنا التائه محتجزا في زاوية ضيقة ينتظر الفرج، تعرى بعضهم وطفت جلابيبهم على سطح المستنقع والجميل أن كل شيء تم تصويره بكاميرا موبايل فطبعا البث تم قطعه، في تلك الأثناء، خرجت كل المدن العربية متضامنة مع فعلنا ومؤيدة له، كانت موجة جديدة من الربيع العربي وبداية لمرحلة تحرر فخور أني كنت جزءا منها".