الجمعة، 31 يوليو 2020

المومنة في مسار أحمد كلي


حافظة صغيرة للكحل من زمن ما قبل الدولة تملكها جدتي الكبرى المومنة منت سيدي ولد ألمين، حافظة أنيقة ومرتبة مرت عليها كل تلك السنين ولا تزال على أفضل حال، وأغراض أخرى، كانت كافية لترجعني إلى الوراء سنوات، وأتأمل في تلك الحقبة وأستدعى الأسئلة عن تلك السيدة وكيف كان أهل دهرها يعيشون، والخلاصة أنها كانت في ما يبدو سيدة استثنائية، وصنعت لنفسها مكانا مهما في أرض لم تولد فيها ولم تعش فيها، بل أتتها كزوجة لأحد رجال المنطقة، هو جدي أحمد ولد الشيخ ولد جدو.
لم أملك تفاصيل كثيرة عنها، وخاصة من الأهل، فهم قرروا منذ زمن طويل تبني فلسفة في الحياة، تجعلهم يرون أن الحكايات ملك لأصحابها وتعنيهم فقط، ولا يخوضون في غير الحاضر ولا تهمهم كثيرا قصص الأولين، وحتى الكتابة عن شأنهم غير مستحبة عندهم، فلا يحبون الحديث عن ذواتهم ويفضلون أن يمر الإنسان في هذا العالم دون صخب.. يقوم بما عليه وليس من الضروري أن يحدث صخبا، بل من المحبب أن لا يكون لافتا للانتباه.
وأنا أشاطرهم الرأي بعض الشيء، فحياة الناس ملك لهم ومن لم يكتب عن نفسه قد يكون من التجني أن يكتب عنه، هذا مع ظني في نفس الوقت أن حجب القصص والأحداث التاريخية، قد يكون أنانية، فالتجارب البشرية مفيدة للإنسان وتشاركها قد تكون فيه مصلحة، وكثير من القصص تمثل مناجم زاخرة بكنوز الحكمة. والحجب غير ممكن أصلا.. وأعتقد أنك إن لم تكتب كتب عنك.
وحدث واقترفت فعلة الكتابة، لكنه اقتراف جميل، ولم يكتب عن الأسرة من طرف "الغريب" بل يبدو أن الأهل قرروا الكتابة، فحوت مذكرات المحامي والسياسي أحمد كلي ولد الشيخ سيدي، بعضا من قصص الأسرة، كتبت بحب ومن منظور ذاتي فهو في النهاية يكتب عن أهله.
تحدث عن المومنة.. وعن زيارته لها مع جدته التي لا تكثر الحركة ولا تزور غالبا إلا أسرتنا، وعن غبطته وسروره بتلك الزيارات التي يصنع فيها الشاي ويحصل هو على قطع السكر، وعن كونها أما للكل، خاصة أبناء باب ولد الشيخ سيدي فهي أرضعت جلهم، وعن هيأتها وحضورها أصلا لبوتلميت وسياقه وقصصه وزخم ذلك القدوم والمقام الطيب، وتأثيرها في حياة مجتمعها الجديد.
ذكرها أحمد كلي هي والأسرة بالكثير من المحبة والإعجاب، وتحدث عن علاقة المودة والمحبة التي ربطت أسرتينا، العلاقة الفريدة التي جعلت عبد الله ولد الشيخ يتساءل قائلا أنه يستغرب أنه رغم كل هذه المحبة التي بيننا لا توجد أي علاقة دم، وهي ملاحظة سجلها أحمد كلي.
وفي سياق تتبعه لتاريخ مدينة بوتلميت، أتي بقصص عن الشيخ ولد جدو، ودوره في إدارة شؤون الناس وعن وضعية الأسرة في النسيج المجتمعي للمدينة وحب جده عبد الله لهم.
كان يتحدث بود وكثير من التقدير، وسرد قصصا أخرى تؤرخ لحياة الناس في ذلك الزمن.. طبع بعضها الطرافة.
سار بنا أحمد كلي عبر آلة الزمن في رحلة شيقة وماتعة وعاد بنا إلى طفولته وسرد قصصا عنها، وتحدث عن نظرته لواقعه وعن جده وملهمه، وأناس عايشهم وأحبهم، ورماني في بحر ذكرياته، لتكون تلك إشارة جديدة كالحافظة، لأتعرف على تلك العوالم.. خاصة العائلي منها، فأنا لم أكترث يوما لتفاصيلهم ولا لحكاياتهم.. وسبق وسألني أستاذ جليل عن أحد شخصيات الأسرة والروابط الجينيالوجية بيني وبينه فاستعنت بصديق من خارج الأسرة الضيقة ليمدني ببعض المعلومات عن العائلة، فوقتها لا أعرف إلا من أدركته حيا منهم.

الجمعة، 31 مايو 2019

في التضامن ورفض الظلم




قام بتحيتنا وخاطبنا قائلا: "مهلا، هل يمكنني أن أتطفل على حديثكم هذا؟"، وبعد استئذانه وموافقتنا تابع كلامه وقال:" هل أنتم من أهل هذه الأرض وتسكنونها؟"، تساءل بنبرة مشحونة بالسخرية والأسى، فجاوبه أحدنا بنعم، فرد هو قائلا:" سبب سؤالي واقتحام حديثكم، هو أنني سمعتكم تتحدثون عن القانون وتحاولون نقاش تطورات قضيتكم والاجراءات القانونية، وهو حديث غير مناسب في بلدنا، فلا قانون هنا إلا قانون الغاب".
كان متعبا وحانقا وصادقا، وكان اليوم أحد أيام الظلم الكثيرة في أرضنا والمكان أمام "قصر العدل"، حيث تم فيه عرض القانوني الشيخ ولد جدو والناشط السياسي عبد الرحمن ودادي على وكيل الجمهورية الذي أحالهما إلى قاضي التحقيق مع طلب إيداعهما في السجن، وكما كان متوقعا، نفذ قاضي التحقيق ذلك الطلب الظالم، وأمر بحبسهما في سجن دار النعيم( تم تحويلهما لاحقا).
كان التكييف مهلهلا والتهمة مستحيلة ومضحكة، فتهمة الافتراء دون شاكي تثير الغثيان، وتحويل شاهد في قضية إلى متهم أمر من أسباب البلاء، وقرار الحبس الاحتياطي دون تحقق شروطه جائر وظالم.
تركنا الرجل بعد أن قذف ما في صدره وجوفه ونفسه من غضب، وعرف طبيعة القضية، وقال:" هذا هو الظلم الطبيعي في أرضنا" وأكد:" أنا كتبت في هذه القضية ولم يسلم أحد من تناولها وتصديقها، فلماذا هما فقط؟، إنه رأس السلطة ينتقم".
غادرنا وقد صدق توقعه، وطبق "قانون لتفتار"، وكنت أقاسمه تحليله بالطبع، وأعتقد أن جل من يراجعون العدالة يقاسمونه نفس الرأي في قضائنا.
***
مضت الأيام وتحققت كل الهواجس والمخاوف والتوقعات التي كانت تخالجني، فكان في ذهني، مسار قضايا أخرى واستخدام النظام الغاصب لأرضنا للحبس الاحتياطي لقمع من يزعجه، ووضعه في السجن دون محاكمة حتى يقرر أن يطلق سراحه، وكان محمد ولد غده نموذجا صارخا لا يغادر مخيلتي، وتحقق الأمر، وأصبح عبد الرحمن والشيخ هما ولد غده الجديد، وصار ولد غدة الذي ذاق مرارة الظلم، مناصرا في قضيتهما فلا يفوت وقفة لمؤازرتهما ويحضر بحماس ودون تكلف، فمن خبر الظلم والترك والخذلان يعرف قيمة التضامن ورفض ظلم أي كان، فالساكت عن ظلم يمر أمام عينه هو موقع على ظلمه اللاحق، وقد ساهم بصمته في تشريع ظلم وتغول الظلم والظالم في أرضه، وكنت كلما نظرت لولد غده وهو يتخذ مكانه خلف لافتة من اللافتات المطالبة بالحرية للشيخ وبحام، أتساءل من التالي؟.
ومتى سنفهم أن دائرة الظلم تدور بتسارع عجيب وتسحق الكل وأننا نتضامن مع أنفسنا قبل كل شيء؟
***
تذكرت قصة الرجل الغاضب أمام العدالة، لكونها تمثل بشكل واضح نظرة الكثير من المواطنين لقطاع العدالة، وأنا منهم، وهي نظرة مقلقة لكن الواقع أسس لها، فما دامت السلطة التنفيذية تفرض سيطرتها على السلطة القضائية فلا معنى للحديث عن قضاء مستقل، وما دامت النيابة العامة تستعبد قضاة التحقيق وهي مسترقة من وزير العدل عضو السلطة التنفيذية، فمضحك جدا الحديث عن الثقة في القضاء.
وهو واقع مزري آن لنا الوقوف ضده، حتى لا نتحول لمجرد أرقام في سجل مكتظ بضحايا الحبس الاحتياطي المزاجي، لأننا قلنا لمن سرقنا أنه سارق ومارق، وعلى العموم وقبل تحقق واقع أفضل، سنظل نكرر أنك يا عزيز ورهطك مجموعة من السراق، ولنكن عبد الرحمن أو الشيخ أو ولد غده، لا يهم.

الأحد، 21 أكتوبر 2018

نحو بلاد الباوباب، سرت



"انظروا إلى المباني الشاهقة والجذابة، وللطريق السريع والرحب والمرحب، لقد دخلنا داكار". قالها بابتهاج تنغصه حسرة وغصة وغضب وكمد، وترك لسانه كالشلال المنسكب بقوة، يمجد اللحظة ويجلد الذات. وهو المريض الباحث عن علاج لم يجده في وطنه.
وتبعه في ذلك بقية ركاب الحافلة القادمة من نواكشوط، عاصمة الشحوب الأزلي، المدينة التي لا تشبه المدن، ولم يبدأ ذلك الحديث والشعور عند ولوج دكار بل منذ عبورنا عن طريق سد "دياما" ودخولنا الأراضي السنغالية، وكان يتعمق كلما توغلنا جنوبا، حيث توقفت عبثية الطريق وعذاباتها، ففي السنغال طرق لا ترصعها الحفر، وأعدت لتنقل البشر وليس للتدريب على المسالك الوعرة والفاتكة، وطوال الرحلة، كانت المقارنات بين ضفتي نهرنا، الجنوبية والشمالية، تسيطر على أحاديث الركاب، وهم قوم من مشارب شتى.
وأكثر جملة ترددت على الألسن، هي:" ليس لديهم غير الفول السوداني والبقوليات وحالهم أفضل منا نحن ملاك الذهب والحديد والسمك وأشياء أخرى".
ورغم محاولات البعض التخفيف على نفسه بالقول أن السنغاليين يطلبون الصدقات لبناء دولتهم، لكنهم يتذكرون أن موريتانيا دولة مسكينة، باحثة عن "الصدقات"، لكن حكامها يلتهمون كل شيء، الثروات والصدقات، فيشتد الأنين والسخط.
***
حين خرجنا من نواكشوط وتقدمنا قليلا في الطريق، بدأت حكايتنا مع البؤس تستفحل، فلا شيء هناك يذكر بغيرالفناء البشع والذبول، وكل متر نقطعه كان يصدق ويصادق على ما جاء في الوثائقي الجزيري المعنون بالطريق إلى داكار، الذي أغضب قبل أشهر "أنبياء" "شعب الله المختار" وجماعات وطنية تمجيد البؤس والفساد.
وظلت الحفر والمطبات تنكل بنا طوال ما كان يطلق عليه "طريق روصو"( رحمه الله وغفر له)، ولم يتوقف ذلك الهم، إلا عند وصولنا لمنعرج كرمسين، حيث بدأ ما يشبه الطريق وبدأت ملامح جمالية تتسلل لرحلتنا، وخفت مظاهر البؤس الموحش، وأصبحت الطبيعة الجميلة ترطبنا؛ بدأت الحياة هناك في أرض الخنازير البرية( عرات)، وحين دخلنا حظيرة جاولينغ، ازدانت اللوحة، ونسينا أن الطريق غير معبد، فقد خطفنا الخضار والحياة البرية البهية، والتربص بعائلات عرات( الخنازير البرية) والزواحف البحرية والتماسيح والطيور الجميلة، وتفاصيل تلك الحياة البديعة والبكر، فلم يسحقها البشر بعد.

وعند وصولنا للحدود الوهمية، لاحظت ما كنت أسمع من قبل، أن الناس هناك، مختلفون ويصعب عليك التمييز بينهم، فالقوم متجانسون وتحضر الحسانية والولفية في ألسنتهم بشكل متقارب، مزيج جميل، لمسته في شمال الأرض وحتى جنوبها، فسائق الحافلة التي نقلتنا من الحدود لعاصمة جنوبنا، داكار، سنغالي الجنسية وينحدر من مدينة سنغالية، غير بعيدة من موريتانيا، لكنه يتحدث الحسانية بطلاقة ولو سار في شوارع نواكشوط لن يلفت أي انتباه.
***
تمثال نهضة افريقيا

كانت توقعاتي لداكار أفضل مما رأيت، فكنت أظنه في مستوى " نيروبي" أو مثيلاتها من عواصم إفريقيا الجميلة، فلم أزره من قبل، ولم أره إلا من خلال الطائرة ذات عبور قصير. وفيما يبدو أن مدننا نحن سكان الغرب الإفريقي، لا تنافس!، لكنه بالمقارنة بعاصمتنا الشبحية، يعتبر مدينة مزدهرة ومبهرة، كأنه باريس.
داكار مدينة حيوية، فيها نقل عام معقول وأنشطة ثقافية ورياضية تغازل عيونك إعلاناتها أينما حللت، وساحات عمومية جميلة ومناطق خضراء لطيفة، كالسنغال عموما، ومسارح وشوارع وشواطئ معدة( رغم التلوث والأوساخ) للحياة، وأكثر ما جذبني في المدينة ولم يخيب ظني، هو تمثال نهضة إفريقيا، فهو صرح مهيب وفيه إبداع فريد؛ ومنطقته بديعة، ترى منها داكار والمحيط الأطلسي في اشراق وهناء.
وهو مشروع ضخم بني بإشراف كوري شمالي وأثار وقت تشييده الكثير من اللغط والرفض، وقد أتفق مع من يقول أن بلدا فقيرا له أولويات تنموية أهم من أمثال تلك الصروح والنصب التذكارية، لكنه جميل ومهيب وقد أسرني، كأشجار الباوباب السنغالية العتيقة والفارعة.
دكار عاصمة لدولة علمانية، وفعلا يرى المار مؤشرات لذلك في الفضاءات العامة والأسواق والمحلات، لكنني لاحظت حضورا طاغيا لمشايخ التصوف والمرجعيات الدينية، ففي كل ركن أو حانوت وحتى باص أو تاكسي ترى صورة لأحدهم وأدعيتهم؛ يطاردونك كلما خرجت للشارع، وخفت أن يخرجوا إلي من حنفية المنزل، وحتى حضورهم في المشهد السياسي جلي وطاغي، وبين الناس كذلك، وحين قارنت وضعهم بوضع نظرائهم في" الجمهورية الإسلامية الموريتانية" وجدت أنهم أكثر حضورا في السنغال، فالزخم الذي يحصل عليه رجال الدين هناك لا يحصل على ربعه أصحابهم في موريتانيا، فجماعتنا مساكين كالصحافة والمثقفين، يتبعون العساكر ويستخدمونهم في نزواتهم وبطشهم لا أكثر، مع استثناءات قليلة. ولمست من جدران المدينة حنق على فرنسا، فشاهدت بعض الغرافيتي الغاضب من الهيمنة الفرنسية على السنغال.
وفي السنغال، لاحظت أن هناك نوعا من التعامل السمح مع الموريتانيين، فالطلاب هناك بل المقيمين لا تفرض عليهم رسوم للإقامة، عكس السنغاليين في موريتانيا، الذين يعانون من رسوم الإقامة ويتعرضون للتوقيف الليلي والتنكيل بسببها.

الأحد، 16 سبتمبر 2018

عن مكان يحب المطر

الصورة من حساب الصديق  @Sirius_MR على تويتر


تناهى لسمعي أن السماء أكرمت مدينة بوتلميت بقدر وفير من عرقها المبارك والرحيم، فوصل تقدير البشر لتلك النفحة الغزيرة والمرطبة، ب61 ملم.
حدث هذا بعد سنوات من القحط والجدب والحرمان، وبعد دهر من الفتور بين سماء وأرض المدينة المخذولة.
***
أعادتني أخبار المطر الطيب، لأيام كانت السماء تحب تلك الأرض وتكرمها بالمطر الجزيل، فلا أتذكر أن السماء غمرت المدينة في العشرية الأخيرة، بمثل هذا العطف، فحرمان المدينة قديم.
و ذكرني هذا التهاطل الكثيف، بهطول للمطر حدث أيام طفولتي، أعرفه باسم لن أذكره لدواعي حقوقية وذوقية، ورغم أنه جمل المدينة وخضر نواحيها وبث فيها الحياة، إلا أنه ترك ذكرى حزينة، وهي وفاة شابة بسبب المطر، تقول إحدى الحكايات الشعبية التي استوطنت ذهني، أنها غرقت في بئر مطمور كشف عنه المطر، ولا أعرف إن كانت تلك القصة حقيقية.
وسبق ذلك التهاطل ملحمة من الرعود المزلزلة؛ لا يزال صداها في أذني.. فكنت أتخيلها صهاريجا عملاقة ترمى على طريق الأمل من مكان شاهق العلو، وبروقا لا يفارق مخيلتي بريقها.
وتبعها اخضرار بهيج، فحتى "حوش" منزلنا في "الكود"، أصبح مكانا زراعيا لطيفا، فلا أزال أتذكر سنابل تلك السنة وأوراق الفول السوداني والطماطم التي نبتت فيه دون جهد كبير.
***
المطر أيام طفولتي، كان يعني البحث عن البرك النظيفة، البرك الصالحة للسباحة، كان هو الذهاب للنطفية الشرقية والساحلية وأي مظان للماء، وهو الركض نحو الكثبان الشاهقة للتزلج عليها ب"السيالات".. كان هو " علب بكل" وما يجاوره من كثبان بديعة، و"العلب الساحلي" وأي مكان يسمح بأن تتلون ثيابي باللون الذهبي الآسر.
كان المطر هو السير دون كلل ولا ملل نحو ضواحي بوتلميت للبحث عن "آتيل" وقطف "لمساويك"؛ كان التشرد الجميل والبوهيمية الحقة والسمحة.
***
اغتسلت المدينة التي تحب المطر إذن، وارتوت بعد عطش فاتك، فهل يلي ذلك اغتسال أعمق من أدران التزوير والظلم؟ أتمنى.

الثلاثاء، 27 فبراير 2018

رحلة إلى أرض الكثبان البيضاء

منظر من منطقة تندوجة

توقفنا عند مرتفع رملي باهر البياض، فريد الجمال، وأسفله سهل فسيح، خلاب ومريح للعين، تجاوره بعض من أشجار الطلح وتيشط وآتيل، قد تساقطت أوراقها لكنها ظلت شامخة، تنتظر عناق المطر الحرون، وتتناثر قربه شجيرات من تيتارك وأم ركبة، في مشهد بديع يميز أرض آوكار وآمشتيل، تلك البقاع الرائقة حتى أيام القحط والجدب؛ فالسماء والهواء والكثبان الرملية النظيفة ذات الملمس الحريري المداعب للأجساد- جعلتني تلك الكثبان أحرف كلام إبراهيم الكوني، وأقول: لن يذوق طعم الحياة مَن لم يتنفس هواء الكثبان-، تجلب السكينة والحبور؛ ففي تلك الصحراء الواسعة، تناغم ونقاء أخاذ وداهش، فصباحها المنعش وشروق شمسها المبهج و غروبها الآسر وليلها الساحر ونجوم السماء الوضاءة، يهذبون ويمتعون الروح
.
توقفنا ونحن في حالة ضياع نصفي أو لا أدرية وشك، وعند النزول للسهل، قابلنا أحد الرعاة يرافق قطيعا من الغنم؛ فسألناه عن وجهتنا؛ فدلنا على الطريق، وبعد أن تقدمنا عنه اكتشفنا أنه إحدى تجليات المعنى الصحراوي؛ فالرجل حكاية تحرر من قيد العبودية والجهل، فقد تعرف عليه أحد رفاق الرحلة.
وحكى لنا قصته، حيث كان ذات يوم ضحية استعباد، وفي أحد أيام العبودية الميلودرامية، كتب له من كان يستعبده في ورقة" أنت عبد جاهل"، وبما أنه لم يكن باستطاعته القراءة، استعان بشخص ليفسر له المكتوب. آلمت الجملة البغيضة صاحبنا أيما ألم، وبعدها، قرر الثورة وتغيير ذلك الواقع الظالم، وفك القيد ورفض الذل. ثابر وقاوم حتى" افتدى" نفسه من مستعبده الغاشم، وانتقل إلى شيخ زاهد في حطام الدنيا وصراعات أهلها، مبتعد عن المدينة؛ فكلما اقتربت منه رحل بعيدا ناشدا المزيد من النقاء.
وعند هذا الشيخ تعلم دليلنا الدرويش الثائر القرآن وأخذ الإجازة، وأصبح حرا كما يليق بأبناء الصحراء؛ فالصحراء هي الحرية ومبعثها، واليوم يملك قطيعا من الغنم، يعيش منه هو وزوجته، ويذهل الناس بترتيله للقرآن؛ فصوته جميل ومرطب للروح.
***
الضياع في الصحراء، قد يهدينا لعمقها ولب حكاياتها، والتغلغل أكثر في مضاربها، والاغتراف من القصص واللحظات الحميمية التي تبوح لنا بها. وفي رحلتنا وبعد تركنا للدليل الدرويش، مررنا صدفة ب"حاسي المبروك"، وهو موضع كنت تواقا لرؤيته؛ فهو أصل لحكايات وذكريات تخص أسلافا وحاضرين، طالما رويت لي وكنت أتخيلها، ومتشوق لرؤية مسرحها.
مررت على المكان خاليا من ناسه، وأبطال قصصه ومن أحبهم وأحبوه؛ فلم يبقى من ذلك العهد القديم إلا بعض ملامحه الطبيعية والحاسي المقاوم والمنتظر لعودة من ارتووا منه، حبا وودا، وأتمنى أن لا يكون انتظار الحاسي- البئر- لأحبابه ك"انتظار اسحاق".
***
الصحراء  لا تنقضي صدفها؛ ففي الحين الذي تظن أنك وحيدا وجماعتك في فضاء لا حدود له، وبينك مسافات شاسعة مع البشر، يخرج لك من رحم الصدفة عظيم الأخبار والمفاجأة.
وأثناء ذهابنا نحو إحدى وجهات الرحلة، وفي خضم البحث والتفكير في دليل، أعطتنا الصدفة خير دليل.
غمرتنا ونحن ننطلق من تندوجة ذات الكثبان البيضاء الوثيرة ومنطلق بعض الأحداث المهمة في تاريخ هذه الأرض، نفحة ندية من المكان الذي كنا ننوى التوجه له ودلتنا عليه- إن لم أقل قدم إلينا المكان نفسه-.
كانت النفحة هي لقاء دون ميعاد ولا اتصال مع رجل طيب يقطن تلك البقعة- أرض الشيخ المتصوف الزاهد- ويبث منها علمه وأخلاقه، وكنا نرنو للقاءه، وهو أحد العلماء الذين خرجهم الشيخ المتصوف والزاهد الذي علم دليلنا الدرويش وأخرجه من غياهب الجهل، وكان لقاءنا بالرجل الطيب قبل لقاء الدرويش الثائر، حدث اللقاء، هكذا صدفة؛ كحكايات الصحراء الأسطورية.
***
غادرت تلك الأرض المباركة والملهمة عائدا إلى نواكشوط، بعد أن صافحت صدفة وقصدا، بعض بقاعها؛ كتيدأملين وتامرزكيت وعين السلامة وتندازبير وبئر العافية، وعلقت في ذهني تفاصيل ومشاهد أخرى-قد أحكيها ذات يوم- وأسئلة عديدة.
غادرت على نية العودة المتأنية، لأغوص في بحار تلك الصحراء عديمة السواحل، وأبحر في عوالم ناسها وحيواتهم وأساطيرهم الجميلة، وتاريخها ومن صنعوا القيم فيها، وشخوصها الباقية في الأذهان رغم الغياب وتقلبات الزمن.

الاثنين، 18 سبتمبر 2017

بوح عن صديق


مرت بي لحظات آثرت فيها الوحدة هربا من زيف الأحداث والشخوص، لم أعد أجد نفسي في تجمعات البشر الزائفة، أنوفهم المزعجة وعيونهم الوقحة وأفواههم الكاذبة لم تترك لي مجالا للرغبة في الخروج من عزلتي، وحتى وإن جربت، أشعر بالوحدة في حشودهم، حتى أني مللت من نفسي البشرية.
ضعت دهرا في رحلة بحث عبثية، كنت أبحث عن شيء لم أستطع فك شفرته، جربت الحياة بكل تمثلاتها، أطلقت العنان لرغباتي حتى المجنونة منها!.
طالت الرحلة لكن النقص زاد، والتيه توطن والحيرة صارت نهجي.
كنت كثير الرؤى لكن من دون مبالاة، لم أحاول فهم أي رؤيا، فلم أهتم. اشتدت حالتي بؤسا، لكن لقاءنا الأول، كان بداية لشيء لم أفهمه ساعتها.
كان صدفة غريبة تشبه الحلم الهامس، كان هادئا في مكان مفعم بالحياة، وكان الوقت متأخرا نسبيا ولم أكن تلك الأيام أخطط للسهر في جماعة كبيرة؛ لكن حضوره بعث في رغبة البقاء. لم يسبق لي الحديث معه رغم أني سبق ورأيته في أماكن أخرى لكن دون كلام، ولا أعرف هل تفطن لي قبل لقاءنا الأول.
كانت سهرة لطيفة، تحدثت فيها كثيرا؛ فليلتها اجتاحتني رغبة في الحديث معه لأطول وقت ممكن فقد شعرت أني أحدث نفسي، كلامه كأنه صوتي الخفي أو شيخ نقي السريرة أحتاجه.
كانت سهرة روحية علاجية أزالت ضيق صدري ونفسي وخففت أرقي.
مرت الأيام بعدها ليتحول لأهم شيء في يومي، وكأنه شيخ وأنا مريده أو أني الشيخ وهو مريدي؛ فاليوم الذي أقابله فيه كأنني ظفرت بمعني الكون وحين يغيب أشعر بالنكوص والغم.
لم أفهم ما الذي حدث وماذا تعني حالتنا؟ لكني اقتنعت أننا روح واحدة في جسدين، أفكارنا متناسقة كالمجرات؛ هو بالتأكيد نفحة رمضانية مباركة.

زاد استغرابي، وفي ليلة رمضانية مقمرة وصافية الجمال. زارني المعلم شمس التبريزي، وقال لي: "جئت لأطفئ حيرتك، أنت وهو حالة نقاء والتقاء تتكرر كل سبعمائة سنة وأزيد قليلا، هو رفيقك الروحي كما كان جلال الدين الرومي رفيقي الروحي، أنتما، أنا وهو ولا يمكنني تحديد أيكما أنا وأيكم جلال؛ فذلك يفسد المعني، أنت وهو تكرار لحكاية جدك وجده".

الأربعاء، 16 أغسطس 2017

حنين

مدينة بوتلميت

يحدث أن نضيع منا في زحمة اليومي، يشكلنا الواقع، ويحدد أولوياتنا ثم تتسرب ذواتنا منا، نصبح غيرنا وجزءا من كل وننسانا.
نضيع في العام ونهدر حقنا الخاص، وحاجاتنا الروحية؛ لكن بعض الأحداث ولحظات الصفاء  تمطرنا بماء الذكريات، يغسلنا ويعيدنا للبدء، للتكوين الأول، وللحميمة والطفولة وللبراءة؛ لما قبل التوجهات والتصنيفات المفروضة أو المؤنسقة والمغلقة بأبواب الوثوقية والقطيعية، لأصدقاء الصبا وأماكنه؛ وقد يحدث ذلك من دون سابق إنذار.
وأنا اليوم، بدأت فيما يشبه رحلة الهجرة نحو محيط الذكريات، أبحث عن أشلاء البدايات؛ لأجمعني من جديد وأعيد التشكيل.
ولا يفارق مخيلتي طيف صديق طفولة في مدينتي الأولى، المدينة التي تسكنني رغم أني لم أسكنها.
 يغزو صديقي مخيلتي بكل ود، لا أتذكر اسمه لكنني قادر على  رسم شكله؛ فأنا رسام أضاع موهبته العيش في مدينة الظلم واللامعنى.
 وقد قابلته ذات مرة لكنه لم يلحظني ولم يعرفني؛ عله فعل السنين، يال حقارة الزمن والواقع.
أحن للمدينة وتفاصيلها ولصديقي، لإبراهيم ولد الدولة وترنيمته المباركة "ميمونة دارت ميالة"، ولقهقة سناد ولد أشوايل، وضربات لحبوس البلهاء للكرة أيام  ملاحم"ترنوار"، وصعود سعيدة ولفيجح.
 مخاوفي كبيرة، أخاف أن تكون ذكرياتي متوهمة أو مجرد خيال روائي فاشل أو تلبية لأغراض نفسية.
 سأواصل البحث، فالعملية ممتعة وثرية، والصديق قد يكون مجرد فكرة تناديني أو قيم ومرحلة من السمو والزهد أحتاجها، أو مجموعة من الرفاق الروحيين، إذن هو موجود وقد يتشكل في أشكال تعددية؛ صديقي فكرة وروح.

*أعتقد أن لوحة مفاتيحي هي من كتبت هذه الهلوسة ونشرتها من دون إذني، لذلك وجب التنبيه.