الخميس، 2 يونيو، 2016

لحظات من قمة نواكشوط" العربية"


قبل أيام، كنت أبحث بشغف في مكتبات العاصمة الوافرة عن جديد الكتب، عن شيء يداعب خلايا مخي التواقة بنهم مفرط لما يحركها ويوقظها من سباتها المقلق، فصادفت مذكرات ثرية للسياسي المخضرم عبد الله ولد سيدي، اقتنيتها بدون تردد لما أعرفه من أسلوب سردي باذخ يميز الكاتب عبد الله قبل السياسي ولتاريخه النضالي المبهر الملهم، فهو متصوف في حب التحرر، قدم للمذكرات الكاتب والصحفي اللبناني المخضرم أنطوان حنا، صاحب السبك اللغوي الاستثنائي الجميل كجبل عامل.
بدأت قراءة المذكرات وأنا في طريقي لمنزلي بحي الشهيد المشظوفي المجاور لنصب" المسؤول الفاسد المركول على المؤخرة"، كانت سلسلة رشيقة الحرف ثرية المعنى، ترصد بعض الملامح من التاريخ النضالي لبلدنا موريتانيا.
ضمت المذكرات تفاصيل جمة ومشوقة ومن بين الأحداث التي سكنت في مخيلتي ودفعتني للكتابة عنها، حديثه عن القمة العربية التي نظمت في العاصمة نواكشوط سنة 2016 قبل نصف قرن في عام مولدي، وأقتبس الآن بعض مما كتب:
"كانت مدينة نواكشوط باهتة بلا ملامح حيادية لا طعم لها ولا رائحة ولا موقف، كأنها تمثال شمع رديء الصنع. كانت لها خصلة مميزة وهي الهدوء النسبي والنوم باكرا كأي طفل وديع، لكن أيام التحضير لقمة الطغاة العرب التي تقرر تنظيمها في نواكشوط بعد اعتذار مملكة الطغيان في المغرب، حولت نواكشوط لمدينة مزعجة تجعل التحرك فيها عملية مضنية بائسة، كان الجنرال التائه يحاول وضع بعض البوتوكس لوجه المدينة المترهل المتجعد رغم طفولتها، وجهها الذي أنهكته جرائم العسكر المغتصبين.
كانت القمة العربية تنظم في أيام بلون الدم والطغيان، فالثورة المضادة التي عقبت الربيع العربي تقهقه منتصرة وتشرب كل يوم نخب سحق الشعوب، وقيل أن دكتاتور مصر القاتل الستاليني البليد المسمى السيسي، قد يحضر هو ورهط بغيض من الطغاة المتجبرين من أمثال هاوي التنكيل بالشعب السوداني، عمر البشير، الأحاديث وقتها لم تذكر أن نيرون العصر الأبله بشار الأسد قاتل مئات الآلاف ومشرد الملايين قد يحضر.
كان الوضع كارثيا فنواكشوط لا تحتمل كل تلك الأدران، فهي مدينة تتحول لمستنقع نتن كبير كلما جاء موسم الأمطار وسيكون البؤس أشد حين ينضاف للوضع قاذورات مخلفات مصانع الطغيان والفشل العربية.
حضور تلك الكائنات المضرة بالبشر والبيئة حرك مكامن الإحساس في جسمي، لذلك، خططت مع بعض الرفاق الشباب للتحرش بجبروت الثلة المجرمة.
أعلن أن القمة ستنظم في مكان خاص مجهز خصيصا لها، كان خيمة ضخمة كلفت مبالغ مهولة، رسمت ورفاقي خطة للتسلل وفعل فعلتنا.
وجدنا منافذ ضمن المنظمين وفي يوم الافتتاح تسلق أكثر من عشرين منا لسطح الخيمة وأثناء بث القمة المباشر أحدثنا تشققات في الخيمة وتبولنا بحرقة وألم على رؤوس محفل الطغاة، كانت آلام شعوب مكلومة تحركنا، وبقايا إنسانيتنا المحطمة بوصلتنا الوحيدة.
تم القبض بسرعة على بعضنا لكن حدث أمر شتت الكثير من الأوراق المجرمة، فالسماء انتحبت يومها وأسقطت الخيمة على جماعة السوء، تلطخت ثيابهم بطين نواكشوط الغاضب من حضور من خمروا دماء شعوبهم التي سكبوا بدون رحمة وعتقوها لأيام احتفالاتهم السادية، كان السيسي غارق يبحث عن من يساعده ولم يجد سوى يد مترهل الامارات والبشير 
سقطت على رأسه شظية من سقف الخيمة فدخل في غيبوبة وانتهك الطين جسده المنتفخ من خيرات السودان المنهوبة، كان جنرالنا التائه محتجزا في زاوية ضيقة ينتظر الفرج، تعرى بعضهم وطفت جلابيبهم على سطح المستنقع والجميل أن كل شيء تم تصويره بكاميرا موبايل فطبعا البث تم قطعه، في تلك الأثناء، خرجت كل المدن العربية متضامنة مع فعلنا ومؤيدة له، كانت موجة جديدة من الربيع العربي وبداية لمرحلة تحرر فخور أني كنت جزءا منها".

الجمعة، 15 أبريل، 2016

سكايب..صوت القاع

همس صوته إلى أذني معرفا بنفسه وقال: أنا "سكايب ولد الناس كاملة"، كان صوته الغاضب ينبعث من مسجل التاكسي المنهك كأحلام الفقراء في بلدي والمتهالك كخطاب العصابة الحاكمة، راق لي ذلك التعريف المتعالي على الشرائحية، فسكايب قرر أن يكون ابن المواطنين من دون خصخصة، وقررت الانصات له حين قال: "شوف تخمامي". وكان يتحدث عن العنصرية بصوته المستفز قصدا، فهو فيما يبدو يهوى ازعاج السلطة، سواء كانت سياسية أو عسكرية أو مجتمعية.

تلك هي أول مرة أسمع فيها بسكايب، كانت صدفة جميلة في يوم حار وجاف كمشاعرنا نحن سكان موريتانيا العظمى، بعدها، دخلت في مرحلة البحث عن شظايا من انفجاره الخطير، فوجدت على اليوتيوب الكثير من أغانيه المشتعلة بهموم الانسان الموريتاني، يعبر فيها عن فساد الشرطة والقضاء والسلطة والعلماء ورجال الأعمال، عن تراجيديا انسان القاع الذي لم يجد سوى اعتناق الجريمة للبقاء في عالمنا الموحش، عن حياة الشارع وفقدان الأمن بعاصمتنا الشبحية، فقد صرخ ذات مرة وقال:" نواكشوط يخلع".


ينتقى سكايب كلماته من قاموس الشارع بدون محاولة للتورية، هو صريح كفناني الراب الثائرين، يحكي عن مشاهد تلخص معاناة المواطن المكلوم، كلماته تلسع كالعقرب سمها موجه  للطغمة الفاسدة، وقد قال مواطن عن سكايب "هذا الصوت لهيب قادم من جهنم".


سكايب فانديتي مقنع يحب أن يظل في الخفاء يضرب الطغاة بصوته، ينتقم للمطحونين من دون الكشف عن هويته، لا يفجر بل يخز. لسكايب اليوم جمهور عريض وحين تمر بأحد شوارع نواكشوط المهمشة الهامشية، ستجد بالتأكيد بعض الشباب يجلسون أمام دكان بائس ويبثون من هواتفهم إحدى أغاني سكايب. هو حالة طالما بحثت عنها بشغف.

الأربعاء، 13 أبريل، 2016

يعتزّون بدينهم وأصلهم ويجب معاملتهم بالقوّة... هكذا وصف المستشرقون الموريتانيين


المادة منشورة على موقع رصيف22، بتاريخ29.03.2016


موريتانيا، كغيرها من الدول العربية، ألهمت بعض الغربيين وجعلتهم يكتبون عنها وعن طباع شعبها. منهم مَن أتى كرحالة أو مستكشف أو تاجر أو عسكري مستعمر، ومنهم مَن كان دافعه روح المغامرة وخوض غمار المجهول أو التطلع إلى المعرفة وخدمة العلم.

لكن على كل حال، وبرغم أن البعض يعتبر أن غاية هذه الكتابات كانت خدمة الاستعمار، يُعتبر ما تركوه مصادر تاريخية هامة للباحثين المهتمين بتاريخ موريتانيا والمنطقة ووثائق تساعد في دراسة هذا الشعب وعاداته. وبرغم ما يكتنف هذه الكتابات من نظرة استعلائية استعمارية، تبقى نظرة مغايرة في بلد لم يكتب فيه التاريخ إلا لتمجيد القبائل وزعمائها.
يقدسون السلاح ولا يشتكون



كانت علاقة سكان موريتانيا بالسلاح وتقديرهم له حاضرين في ملاحظات الفرنسيين. وقد تحدث الباحث الموريتاني محمدّو مُحمّدن أميّن في كتابه "المجتمع البيظاني في القرن التاسع عشر: قراءة في الرحلات الاستكشافية الفرنسية"، عن سفينة فرنسية تدعى "الصديقان"، غرقت عام 1784 قبالة الشواطئ الموريتانية، فقام "البيظان" بأسر اثنين كانا على متنها، هما سونييه Saugnier وفولي Follie، وهو ما أدى إلى تنقل هذين الفرنسيين قرابة ثلاثة أشهر في الصحراء مع البيظان كأسيرين.

والبيظان الوارد ذكرهم هم أصحاب الهوية العربية في موريتانيا، بعضهم من أصل عربي وبعض آخر يتحدر من أصل أمازيغي لكنّه تعرّب. ويتحدثون باللهجة الحسانية وهي لهجة قريبة من العربية، وينقسمون طبقياً إلى عدة فئات: فئتين ارستقراطيتين هما العرب، وهم المحاربون وحاملي السلاح، وفئة الزوايا، وهي الفئة المهتمة بالعلوم الدينية والجوانب الثقافية.

كما تأتي طبقات أخرى في أسفل التنظيم الطبقي، مثل فئة إيكاون وهي الفئة المختصة بالغناء وفئة المعلمين وهي الفئة المختصة بالحدادة والأعمال الحرفية، ثم فئة أخرى تختص في الرعي تدعى أزناكة، وهي عبارة عن جماعة اضطرتها ظروف وهزائم لأن تتبع لإحدي الفئتين الأرستقراطيتين.

ثم تأتي فئة الحراطين وهم العبيد المحرّرون أو من رفضوا العبودية ثم تأتي في أسفل السلم فئة العبيد. طبعاً، البيظان ليسوا هم سكان موريتانيا الوحيدين بل هنالك عدة قبائل زنجية لها لغاتها. ويذكر أن البعض ينظرون إلى الحراطين كقومية مستقلة عن البيظان.

وقد ترك الفرنسيان المذكوران مصدرين هامين سردا فيهما تفاصيل قصتهما وانطباعاتهما عن مجتمع البيظان. يقول سونييه: "ثراء العربي وأمنيته الأولى الحصول على بنقدية ممتازة وخنجر جيد... فالأسلحة تعتبر زخرفاً وزينة وهم يحرصون على جعل بنادقهم في أوعية جلدية خاصة لحمايتها من الصدأ ولكي تبقى في حالة جيدة. ويفضلون الأسلحة على ثيابهم من قماش غيني أزرق".

والقماش الغيني الأزرق، أو قماش النيلة، هو قماش تخرج منه صبغة محببة عند البيظان وتلبسه النساء كملاحف ويرتديه الرجال كلثام.

ويؤكد هذا المستكشف الأسير على صلابة القوم: "مهما بلغت الخسائر التي تلحق بالعربي فإنه لن يشتكي أبداً، إذ هو أسمى من البؤس والشقاء وبوسعه أن يتحمل بصبر وأناة الجوع والعطش والتعب والمتاعب".
ماكرون: لا بد من قمعهم
من جانب آخر، تحدّث الرائد الفرنسي لويس فريرجان Louis Frèrejean في مذكراته عن موريتانيا بين عامي 1903 و1911 بعنوان "مذكرات عن السياحة والحرب في بلاد البيظان" Mauritanie, 1903-1911: Mémoires de randonnées et de guerre au pays des Beidanes، عن ضرورة استخدام القوة مع البيظان.

وقال: "إن استعمالنا للدبلوماسية والحنكة تجاه البيظان يقابله هؤلاء دائماً بما يفوقه من الدبلوماسية والحنكة والمكر. وحدها المعاملة بالقوة تؤثر فيهم ولا بد أن تلحق بهم هذه القوة ضرراً مباشراً وإلا أنكروها، فلا بد أن نثبت لهم أننا مسيطرون عليهم".

وأشار إلى أنه "لا بد أيضاً من معاملتهم بالعدل وحتى أخذهم بالحسنى، ولكن المقصود هو تفهم عقلياتهم وقبول ومراعاة تقاليدهم وأعرافهم بدل التصرف على طريقة دعاة الإنسانية حين يريدون منهم، بخلاف رغبتهم، أن يصبحوا مثلنا تماماً، مستخدمين اللين في معاملتهم ومتغاضين عن تمرّدهم بينما ينتهكون، في الوقت نفسه، أعرافهم وحتى نظام حياتهم".

وأضاف: "يبدو لي من الآن أن من الأفضل التحلي بالقسوة معهم والسعي بأقصى ما يمكن إلى الاندماج في حياتهم بدل معاملتهم باللين والبقاء في عزلة عنهم".

وتابع: "ألم يقل لي العجوز ذو اللحية الزرقاء في أحد الأيام عبارته البليغة "أقتل عجوز البيظان ولكنك لن تغير طبعه"؟ أحسست بروح "عجوز البيظان" أثناء مباحثاتي مع جماعة "الأمراء"، فقد ترسخ في عقلية هؤلاء النبلاء أو القادة عنصر لن يتسنى لنا القضاء عليه أبداً، ولو بإغراء المصلحة، إنه اعتزازهم بحقوقهم وأصلهم ودينهم".

وعن أصول البيظان، قال: "هم ينتسبون إلى العرب وقد كان ذلك صحيحاً بالنسبة لأوائلهم، ولكن ذلك أصبح الآن محل شك بعد قرون من التزاوج". ورأى أن انتساب هؤلاء القوم للعرب مشكلة في حد ذاته، إذ قال: "سيكون من الصعب علينا حمل "العرب" على العمل، فالعمل عند البدو فعل شائن".
في التعاملات التجارية
في كتاب "التوغل في موريتانيا: اكتشاف، استكشاف، غزو" La pénétration en Mauritanie: découverte, explorations, conquête (ترجمه الدكتور محمدن ولد حمينا)، تحدث الرائد جيلييه Gillier وهو أحد الضباط الذين قادوا عملية التوغل الفرنسي في الصحراء الموريتانية، مطلع القرن العشرين، عن تجارة الصمغ العربي ونمط المفاوضات بين البيظان والتجار الأوروبيين البيض.

وقال: "المفاوضات الأولية تأخذ وقت طويلاً ونقاشاً وتشهد كثيراً من العراقيل. فليست هناك حيلة من الحيل إلا ويعرف البيظان كيف يستخدمونها، ولا نوع من الكذب والخداع إلا ويحسنون اختلاقه من أجل الحصول على ثمن أغلى من ثمن البيع في السنة السابقة. فالملوك والشيوخ يعرفون مائة نوع من المكر والخداع، ومائة ألف نوع من الحيل من أجل انتزاع هدايا ورسوم أهم بالنصب والاحتيال".

وتابع: "البيظان لديهم بعض الهدوء المشوب بالمكر والخبث والذي يجعل البيض (الأوروبيين) تحت المطرقة. فصبرهم وهدوء أعصابهم يُشوَّشان عمل الأوروبيين الذين يريدون إبرام الصفقات بحدة ونفاد صبر بينما يريد البيظان الحصول على بعض الهدايا والأرباح خلسة".

ويواصل الرائد جيلييه حديثه ويقول: "على كل حال فإنْ كان البيظان يتظاهرون خلال معاملاتهم بالخشونة والكذب والخداع فإنه يجب أن نعترف لنكون عادلين بأن هؤلاء التجار البيض كانوا يستخدمون في حق أولئك وسائل غير مشروعة أحياناً".
حديث عن النمط الغذائي والصحة
النمط الغذائي والصحة أمور من ضمن أخرى لفتت انتباه رينيه كايّيه (Rene Caillie) وهو مستكشف تجوّل في منطقة "لبراكنة"، جنوب موريتانيا بين عامي 1824 و1825.


وكان كايّيه يطمح إلى استكشاف مدينة تمبكتو العريقة، وحقق حلمه برغم تعدد العوائق التي واجهته. وقد تظاهر أثناء وجوده في منطقة "لبراكنه" بالإسلام وقال إنه مصري اسمه عبد الله، وذلك من أجل الاندماج في المجتمع.

وقد نُشرت رحلته أول مرة عام 1830 وأُعيد نشرها عام 1989 بعنوان "رحلة إلى تمبكتو". ونقتبس من الكتاب: "البيظان على العموم لا يتغذون أثناء فصل الأمطار إلا باللبن لتوفره بكثرة في هذه الفترة من السنة. وإذا كان الأكثر ثراءً من بينهم يذبح أحياناً كبشاً، فإن ذلك نادر الوقوع".

وأكد كايّيه أيضاً "إن البراكنة لا يأكلون السمك، بل يعتبرونه مقرفاً رغم أن الشريعة لا تحرّمه، فرائحته الكريهة تقززهم".

وأضاف: "لاحظت أن البيظان على العموم ليسوا عرضة للأمراض الخطيرة... لقد شاهدت طوال إقامتي [تسعة أشهر من التجوال بين البراكنة] رجلاً واحداً مصاباً بالجذام ومكفوفاً واحداً، ولم أصادف إنساناً أبرص، إذ يبدو أن هذا المرض غير معروف عندهم، كما أني لم أصادف في تلك المنطقة إنساناً أعرج".


الاثنين، 21 ديسمبر، 2015

الأمن الموريتاني..قمع الطلبة أولًا!

تجمع طلابي احتجاج
الموضوع منشور على موقع ألترا صوت 


لكل نظام أمني أولوياته التي تبرز طبيعته ونمط تفكير واضعي سياساته وموجهي عناصره، وطبعًا للنظام الموريتاني أولوياته التي لا تختلف كثيرًا عن نظرائه في الدول العربية، فيا ترى ما هي تلك الأولويات التي توجه بوصلة النظام الأمني الموريتاني؟

مشهد أول

قبل أيام، بدأ طلاب جامعة العلوم والتكنولوجيا والطب وكلية الآداب والعلوم الإنسانية، احتجاجات مطالبين بتوفير نقل جامعي محترم، حيث يعاني الطلاب من كون جامعتهم تقع خارج العاصمة بعدة كيلومترات، في منطقة نائية وصحراء مقفرة، والجهة الوصية لم توفر لهم سوى عشرين باصًا مهترئًا وحسب الطلاب، يتعطل كل يوم ستة منها أو سبعة، ولا تكفي لإيصالهم أصلًا، حيث يتكدسون فيها، وهو ما جعل عملية وصولهم للجامعة معركة سيزيفية مؤلمة. طالب الطلاب كذلك بتحسين خدمات المطعم الجامعي، فهم يعتبرون أن خدماته الحالية مهينة للكرامة الإنسانية، وقد نشروا صورًا لطوابيرهم أثناء أوقات الغداء، وهو ما جعل الشبكة العنكبوتية تنتفض، حيث عبر روادها الموريتانيون عن أن تلك المظاهر تبعث على الحنق وتعتبر مذلة لطلبة العلم وللإنسان الموريتاني بشكل عام، وكان احتجاج الطلاب سلميًا وحضاريًا، كل ما سبق من مبررات للاحتجاج لم تقنع النظام الموريتاني، الذي قام بتوجيه قوات الأمن لقمع الطلاب والتنكيل بهم، وإمطارهم بمسيلات الدموع 
وتوقيفهم واخفائهم في مفوضيات الشرطة.
مشهد ثانٍ
تعيش العاصمة الموريتانية نواكشوط منذ فترة في حالة حادة من ارتفاع معدلات الجريمة في بعض أحيائها، وهو ما جعل بعض المواطنين يخرجون مطالبين بتوفير الأمن لهم والوقوف في وجه الجريمة المنظمة التي تنغص حياتهم، وقد تصاعدت في الأيام الماضية وتيرة الغضب الشعبي من فقدان الأمن، خاصة حين حدثت جريمة قتل لتاجرة موريتانية في السوق المركزي بنواكشوط، وتمت الجريمة في وضح النهار، وحين تم استجواب وزير الداخلية الموريتاني من طرف نواب في البرلمان حول استفحال الجريمة وتدهور الوضع الأمني، رد بأن سبب الانهيار الأمني هو فوضوية المواطن الموريتاني!، ونظر لضرورة توفير المواطن الأمن لنفسه في تهرب واضح وفاضح من مسئولياته، فلا مكان للخجل وحمرته على وجوه المسؤولين الموريتانيين، ويذكر أن النظام الموريتاني دأب على ترويج نفسه أنه صاحب مقاربة أمنية ناجحة لمحاربة الإرهاب الخارجي، لكنه يفشل اليوم بشكل بائن في الأمن الداخلي.

المواطن هو المذنب هو الخطر ومن يستحق التوقيف والكبح، راحته خطر على استقرار الدولة، طموحه وتوقه لخدمات محترمة تهدد الأمن القومي، أما المجرمون فيستحقون اللطف والدعم فهم جزء من المنظومة الأمنية بل من النظام الحاكم، تلك هي نظرة وعقيدة من يسيِّرون البلد، فالأجهزة الأمنية لم يتم تأسيسها لحماية المواطنين من الجريمة المنظمة ولا لبث السكينة بينهم، بل لقمعهم حين يحتجون حتى يرضخوا ويسكتوا على الظلم، وبث النعرات بينهم، هي سوط على رقابهم وتلك هي أولويتها الأولى والأخيرة.

الخميس، 15 أكتوبر، 2015

حمى الوادي المتصدع: لاجديد فالعصابة تستمتع!!

صورة من مستنقع في نواكشوط نشرتها صفحة جمعية الارادة
أعلنت وزارة الصحة الموريتانية في بيان أصدرته" يوم الأحد 15 أكتوبر 2019"، أنه حدثت حالة وفاة واحدة بسبب حمى الوادي المتصدع وأن الوضع تحت السيطرة، وأن كل من يتحدث عن تفشي الحمى النزيفية في الدولة مجرد مغرض ويريد تسيس الحمى، وأكد وزير الصحة بعد ذلك أنه حدثت أربعة  حالات وفاة بسبب حمى الوادي المتصدع. يذكر أن بيان الوزارة وتصريح الوزير حدث بعد صخب وضعط  حصل على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث ندد المدونون والنشطاء بتعامل الحكومة الفاتر مع معاناة المواطنين ومحاولتها حجب المعلومات وتضليل المواطنين وعدم اكتراثها بصحتهم،  حيث لم تقم بحملات توعية ولم تستنفر طواقم من أجل مساعدة المواطنين، استطاع المدونين  احراج الحكومة، عبر هاشتغ #بلد_ينزف،  وقد نظموا وقفات أمام وزارة الصحة أعتقل على اثرها 12 ناشطا ولا يزال منهم خمسة منهم رهن التوقيف، وثلاثة غير معلومي المكان وتم قمع من تضامن معهم.
تجد الإشارة إلي أن المستشفيات تعاني منذ أشهر اكتظاظا شديدا بالمرضى المصابين بحمى الضنك وقد تحدث أطباء عن تفشي حمى الضنك وظهور حالات من حمى القرم الكنغولية وحمى الوادي المتصدع. وقد ظهرت رسالة مسربة أرسلتها وزارة إلي الصحة منظمة الصحة العالمية، جاء فيها أنه حدث ثمانية حالات وفاة بسبب حمى الضنك وأن تلك الحمى وجدت في ثلاثة عشر مقاطعة، وهو ما يناقض تصريحات الوزير وبيان وزارة الصحة ويدعم كلام النشطاء.
مهلا، سمعتك أيها المستغرب، أنا لم أخطئ في كتابة التاريخ وكان عن قصد فالخبر سيتكرر سنة 2019 وبنفس التفاصيل... الاهمال سيظل سيد الموقف ما دامت  العصابة تتحكم في دولتنا،  وتعتمد على ضعف ذاكرتنا وموسمية تذكرنا وسكوت بعضنا ورضوخه، فصمتنا هو سر قوتها، مثلا، هل جد جديد في قضية الصرف الصحي والمستنقعات المسبب الأول لتفشي البعوض المسبب  لحمى الضنك وغيرها من الحميات؟، لا لم يحدث شيء، فمدينتنا لا زالت تكره المطر والمستنقعات تستوطن عاصمتنا المكلومة، وهل طرأ تطور في قضية انقطاع الكهرباء التي تقول العصابة أننا أصبحنا مصدرين لها؟.
هل حدث تحسن في معاناة المواطنين العطش؟، وهل حدث تطور ولو طفيف في ترسيخ دولة القانون؟.
عذرا، لقد جد جديد ومن اللازم ذكره وهو تحول العصابة من سياسية احتقار المواطنين داخليا ونهب الوطن وبيعه بالقطعة والجملة إلي بيع جنودنا للقتال من أجل عيون  عائلة آل سعود  ولدعم جرائمها في اليمن. هذه العصابة لا تتواني عن أي خسيسة وكل يوم تخرج لها فضيحة وقد فاحت رائحتها حتى وصلت شرطة الأسواق المالية ووزارة العدل الأميركيتين، حيث قال  تحقيق  نشرته صحيفة لموند الفرنسية، متعلق بفساد شركة كينروس تازيازت التي تستخرج الذهب الموريتاني، أن هناك مقربين من الجنرال ولد عبد العزيز متورطين في فساد الشركة  وسيطالهم تحقيق شرطة الأسواق المالية، بل قال التحقيق:" أن لائحة هيئة الأوراق المالية ترسم خريطة السلطة في موريتانيا، نظرا لأن هذه الشخصيات تشكل عمق بطانة الرئيس".

العصابة ليس في نيتها أي اصلاح وديدنها هو النهب وبدون التحرك بجدية من  أجل تنظيف وطننا منها، سنقرأ خبر" تعديل الدستور" وبقاء الجنرال ليواصل نهبه للوطن واحتقاره للمواطن، وستتكرر المآسي تباعا.

الجمعة، 26 يونيو، 2015

لقطات من تونِس البهية



هناك وجوه فاتنة جاذبيتها تؤنس ولا تزيد المساحيق التجميلة ألقها وسحرها، أخاذة عند الاستيقاظ من الأحلام والكوابيس وفي الغفوة، وهاجة في كل الانفعلات، تختزل جوهر الجمال، تونس هكذا، جميلة ببذخ، رائقة في الصباح والمساء ملهمة في الليل، تماما كما أتصور جمال ملكة قرطاج عليسة( أليسار)، هذا ما تسلل إلى ذائقتي ذات لقاء حميمي. فقد أبهرتني البساطة الفخمة في سيدي بو سعيد وحالة التوهج والتناسق الماتع بين الأبنية البيضاء والأبواب الزرقاء، فقد حلقت  روحي نحو النقاء والتصوف في الجمال وأنا  أسير في أزقتها، كان ذلك في رحلتى نحو القهوة العالية لخطف لحظات بقرب السحاب والتأمل في البحر البهي، تونس جميلة بكل تفاصيلها وملامحها، خضراء ومنطلقة بحق، فالتحرر في شارع بورقيبة، يثير الإعجاب، و أحاديث الأصدقاء عن الثورة على الطغيان تحث على التشبث بإماطة شرذمة الحكام الفاسدين( رغم ما تكتنز تلك الأحاديث من حسرة على عدم الانتقال بعد إلى مرحلة الانجاز وبعض التأسي على الواقع الاقتصادي والأمني، وعودة بعض رموز الفساد للمشهد العام). الشارع يختصر الحاضر والماضي الثورة والبناء، العصرية والتراث، يعبر بجلاء عن التحرر من كل القيود البالية، فنور التحرر ينبعث مع حركات البشر وأنفاسهم ونظراتهم، وفي شارع بورقيبة ينتصب عبد الرحمن ابن خلدون واقفا ليشهد على إبداع المواطن التونسي وتقديره له، ويتمتع بجمال المكان ويستمتع بنور النساء العاملات المتحررات والشباب الثائر، يراقب عن كثب تجربة ذلك الشعب المهيب، وعبر باب البحر ولجت إلى عوالم جميلة من تاريخ تونس الثري، ذلك الباب المشيد في عهد الأغالبة، لأغوص في الفن التونسي والمشغولات والقهاوي الشعبية، طبعا من دون نسيان أخذ لحظات في جامع الزيتونة، الصرح المبهر الموغل في العراقة والمميز بعمارته الملهمة وإشعاعه العلمي الريادي.
ابن خلدون في شارع بورقيبة

هذه هي تونس التي رأيت، حالة ومكان وشعب تتجسد فيهم المدنية بإبداع وتتناعم برحابة،  جدارية رسمها فنان متفرد  لحظة إلهام خاص، واليوم سمعت أن بعض مجانين التطرف الهائمين في" مذهب القتل"، قرروا إرهاق ذلك الجمال المتوقد، وتشويه تلك الخلطة بزرع الرعب في النفوس، بزهق أرواح المواطنين والمستمتعين بتفاصيلها الاستثنائية، وهو ما هالني وقض مضجعي، لكن، ملامح تونس قادرة على الدفاع عن نفسها، والآن، دعونا نغني معا لتونس الخضراء فلا يليق بها الحزن ولا الشحوب. 



الثلاثاء، 23 يونيو، 2015

تعذيب بمناسبة اليوم الدولى لمساندة ضحايا التعذيب


استقيظت اليوم على الفيديو المفزع الذي نشر موقع تقدمي، حيث يقدم قصة تعرض قاصرين للتعذيب في مفوضية الشرطة رقم 2 بمقاطعة عرفات، فيظهر هذا الفيديو اَثار التعذيب على أحدهم، وحسب تقدمي، فإن الشرطة  ألقت القبض عليهما  وسجنتهما لمدة يومين واتخذهم  نماذج للتدريب على التعذيب، وكذلك، قامت بمنعهما  من تناول إفطارهما الذي جلبته لهما أسرتيهما.


طبعا لم أتفاجأ بالقصة ولا بالفيديو وذلك بسبب زيارتي لمفوضيات الشرطة كموقوف في احتجاج، حيث كنت ألاحظ تعامل الأمن الهمجي مع الموقوفين، وكذلك، كنت شاهدًا ذات ليلة على تعدي أحد عناصر الشرطة على شاب كان موقوفا في مفوضية تفرغ زينة  بسبب حظر التجول، وكانت منظمة العفو الدولية قد تحدثت في تقرير أصدرته مؤخرًا عن استشراء التعذيب في السجون الموريتانية، حيث جاء فيه:
"واجه السجناء من كافة الأعمار، ذكورا ً وإناثا، وبصرف النظر عن مكانتهم خطر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة. حيث أبلغ نساء وأطفال وسجناء مثليون وسجناء سياسيون، وسجناء مدانون بجرم وفق القانون العرفي، منظمة العفو الدولية بأنهم قد تعرضوا للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة على أيدي قوات األمن. وعلى الرغم من أن التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة تستخدم أساسا النتزاع "لإعترافات" من المعتقلين فقد جرى استخدامها أيضا كأداة عقابية داخل السجون. ومما هيأ المناخ الستخدام التعذيب وجود بعض القوانين التي تسمح باحتجاز المعتقلين في حجز الشرطة لمدة ال تزيد عن 45 ً يوما في حال الاشتباه في ارتكابهم جريمة مخلة بالأمن الوطني، إلا أن هذا الحد الأقصى كان يتم تجاوزه على نحو منتظم. ولم يتم اتخاذ أي إجراءات حيال الشكاوى المقدمة بخصوص التعذيب إلى القضاء أو الشرطة. وتضمنت أساليب التعذيب المبلغ عنها الضرب بصورة منتظمة، بما في ذلك الضرب بالعصي والضرب على الظهر مع تقييد اليدين والقدمين خلف الظهر، والإجبار على اتخاذ وضع القرفصاء لمدد  طويلة، ووضع قضيب حديدي بين الركبتين والتعليق بين برميلين للمياه. كما ذكر بعض المعتقلين أنهم أجبروا على توقيع أقوال تحت التهديد دون السماح لهم بقراءتها ".

ظهور فيديو التعذيب الجديد قبل ثلاثة أيام في من اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب، يعد نوعا  من التنبيه لنشطاء حقوق الانسان والمهتمين عموما بالتعذيب بأن يتعاملوا  بشكل أكثر احترافية وجدية مع هذا الملف حتى يسهموا في وضع حد لهذه المعضلة المقلقة ويقفوا ضد انتهاك أجساد المواطنين. فقضايا إهانة المواطنين وتعذيبهم في السجون والتعدي عليهم في مفوضيات الشرطة تتطلب المزيد من البذل والعطاء ومن المفروض أن تكون قضايا رأي عام، فهل تكون قضية القاصرين هي البداية؟