الأحد، 16 سبتمبر 2018

عن مكان يحب المطر

الصورة من حساب الصديق  @Sirius_MR على تويتر


تناهى لسمعي أن السماء أكرمت مدينة بوتلميت بقدر وفير من عرقها المبارك والرحيم، فوصل تقدير البشر لتلك النفحة الغزيرة والمرطبة، ب61 ملم.
حدث هذا بعد سنوات من القحط والجدب والحرمان، وبعد دهر من الفتور بين سماء وأرض المدينة المخذولة.
***
أعادتني أخبار المطر الطيب، لأيام كانت السماء تحب تلك الأرض وتكرمها بالمطر الجزيل، فلا أتذكر أن السماء غمرت المدينة في العشرية الأخيرة، بمثل هذا العطف، فحرمان المدينة قديم.
و ذكرني هذا التهاطل الكثيف، بهطول للمطر حدث أيام طفولتي، أعرفه باسم لن أذكره لدواعي حقوقية وذوقية، ورغم أنه جمل المدينة وخضر نواحيها وبث فيها الحياة، إلا أنه ترك ذكرى حزينة، وهي وفاة شابة بسبب المطر، تقول إحدى الحكايات الشعبية التي استوطنت ذهني، أنها غرقت في بئر مطمور كشف عنه المطر، ولا أعرف إن كانت تلك القصة حقيقية.
وسبق ذلك التهاطل ملحمة من الرعود المزلزلة؛ لا يزال صداها في أذني.. فكنت أتخيلها صهاريج عملاقة ترمى على طريق الأمل من مكان شاهق العلو، وبروقا لا يفارق مخيلتي بريقها.
وتبعها اخضرار بهيج، فحتى "حوش" منزلنا في "الكود"، أصبح مكانا زراعيا لطيفا، فلا أزال أتذكر سنابل تلك السنة وأوراق الفول السوداني والطماطم التي نبتت فيه دون جهد كبير.
***
المطر أيام طفولتي، كان يعني البحث عن البرك النظيفة، البرك الصالحة للسباحة، كان هو الذهاب للنطفية الشرقية والساحلية وأي مظان للماء، وهو الركض نحو الكثبان الشاهقة للتزلج عليها ب"السيالات".. كان هو " علب بكل" وما يجاوره من كثبان بديعة، و"العلب الساحلي" وأي مكان يسمح بأن تتلون ثيابي باللون الذهبي الآسر.
كان المطر هو السير دون كلل ولا ملل نحو ضواحي بوتلميت للبحث عن "آتيل" وقطف "لمساويك"؛ كان التشرد الجميل والبوهيمية الحقة والسمحة.
***
اغتسلت المدينة التي تحب المطر إذن، وارتوت بعد عطش فاتك، فهل يلي ذلك اغتسال أعمق من أدران التزوير والظلم؟ أتمنى.