الجمعة، 5 يوليو، 2013

ملاحظات حول هبة 30 يونيو


تابعت بشغف وترقب الأحداث التي جرت في مصر بعد خروج الشعب في 30 يونيو في حشود استثنائية -وصفتها قناة bbc البريطانية بأنها أكثر المسيرات ضخامة على مر تاريخ الشرق الأوسط  -وإعلان القائد الاعلى للقوات المسلحة المصرية الفريق أول عبد الفتاح السيسي تنحية الرئيس المصري محمد مرسي وسقوط حكمه، وتعليق العمل بالدستور وبداية مرحلة جديدة، وتولي رئيس المحكة الدستورية عدلي منصور رئاسة مصر بصفة مؤقتة من أجل الإشراف على مرحلة انتقالية جديد.
مرحلة تطالب الجماهير الغاضبة أن تكون أساس لبناء دولة مدنية حديثة لا تقصي أحدا ولا تختزل الوطن في لون واحد،وتصحح مسار الثورة وتنتصر للمواطن وترفع شعار العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
وهو ما رفضه الرئيس المصري محمد مرسي وأكد أنه الرئيس الشرعي، وأن ما حدث انقلاب سافر على الشرعية وقفز على صناديق الاقتراع، وعلى نفس المنوال سارت جماعة الإخوان المسلمين وأعلنت رفضها للأمر والدخول في مرحلة جديدة من الاعتصامات من أجل الشرعية،وقال القيادي البارز فيها البلتاجي أن مستعد للشهادة دفاعا عن الشرعية ، ليبدأ الجيش المصري بعد ذلك موجة من الاعتقالات في صفوف الجماعة وغلق باقة من القنوات الإسلامية المصرية وتوقيف العاملين فيها لتقوم بعد ذلك بعض الشخصيات المدنية والمنظمات الحقوقية المصرية بالتنديد بالأمر وتعلن رفضها لتصفية أي فصيل وتقييد الحريات.
ما حدث في مصر أمر جلل وبكل المقاييس، وهو سقوط رئيس تم انتخابه قبل سنة فقط  بطريقة مشابهة نوعا ما لما حدث مع الرئيس المخلوع مبارك،وهي انتفاض الجماهير وخروجها في مسيرات ضخمة للمطالبة بسقوط ورفضها للقمع وغياب العدالة الاجتماعية واحتكار الدولة ليعلن الجيش وقوفه إلى جانبها -طبعا هناك فرق بين المشهدين -،فالرئيس مرسي لم يحكم مصر ثلاثيين سنة وجاء عن طريق الانتخابات والمظاهرات التي خرجت رغم ضخامتها لم تقمع ولم تستمر إلا يوم حتى أعلن الجيش وقوفه إلى جانب الشعب كذلك للرئيس أنصار وجماعة لم تتخلى عنه ومازلت تدافع عن شرعيته.
لكن مرسي لم يتعلم من أخطاء مبارك ونزع إلى اتهام المعارضين بالعمالة والخيانة وحاول أن يختزل الدولة في جماعته وقام بإصدار إعلان دستوري وصفته المعارضة بمحاولة التأسيس لنظام فاشي- فقد حصن بموجبه قراراته من الطعن-، قام أيضا بمعاداة القضاء وشباب الثورة الذين دعموه ووضع بعضهم في السجون وقمع احتجاجاتهم،وقام كذلك هو وجماعته بمهاجمة المؤسسات الدينية (الأزهر والكنسية ) ووضع نفسه في حرب من الإعلام والإعلاميين والمثقفين والفنانين وحتى أنه خسر من بعض القوى الإسلامية التي دعمته وكانت تنافح عنه ودخل معها في صراع أدى بها إلى أن تدعم فكرة إسقاطه، قام مرسي كذلك وجماعته ببث خطاب طائفي تحريضي ضد بقية مكونات الشعب المصري .
لم يقدم مرسي إنجازا اقتصاديا ولو ضئيلا ففي ظل رئاسته تردت الخدمات وارتفعت الأسعار وغاب الأمن وهو ما زاد حالت الحنق لدى المواطنين وجعلهم يتفاعلون مع حملة " تمرد" التي أطلقها الشباب المصري من أجل إسقاطه والانتقام منه ومن جماعته ولو بالارتماء في أحضان الجيش الذي سبق وأذاق الثوار مر العذاب أيام المجلس العسكري الذي حكم مصر بعد ثورة 25 يناير،حيث قتل مئات المواطنيين وتسبب في إصابة اَلاف الاشخاص وحاكم أكثر من 20 ألف مدني محاكمات عسكرية ،وأن السيسي الذي أعلن تنحية مرسي متورط في قضية كشف العذرية.
لكن يبدو أن ثوار مصر اختاروا أن ينتقموا من الرئيس مرسي وجماعته ببيعهم للجيش بعدما باعهم الإخوان من قبل للجيش فسبق وارتمى الإخوان في حضن العسكر أيام المجلس العسكري ووصفوا المتظاهرين في الميادين المطالبين بسقوط حكم العسكر بالخونة والكفار وطبلوا لسحلهم وقتلهم .
و رغم اختلاف وجهات النظر حول ما حدث هل هو هبة شعبية دعمها الجيش بالانقلاب على رئيس منتخب فشل في الحكم؟أم انقلاب عسكري صرف على رئيس منتخب وقتل للديمقراطية المصرية في مهدها؟
فقد خرجت بمجموعة من الملاحظات:
- أن الجماهير المصرية مازلت في حالة ثورية ولم تتعب رغم مرور سنتين على ثورتها وتقديمها التضحيات الجسام وأنها مازالت مستعدة لمزيد من المعارك من أجل تحقيق حلمها في دولة "العش والحرية والكرامة الإنسانية "، وأن والحالة الثورية هذه لن تتوقف قبل أن يلمس المواطن المصري الانجاز ففي سنتين أسقطت رئيسين ودخلت في صراع مرير مع مجلس عسكري قوي وفرضت عليه الخروج من المشهد السياسي ولو بشكل ظاهري .
- أن أي رئيس قادم لمصر سيسقط إن لم يقدم بوادر لمشروع يضمن للمصريين العدالة الاجتماعية وتصور لمشروع اقتصادي يرفع من وضع المواطنين،وسيسقط أي رئيس يحاول أن يختزل الدولة في دائرته الضيقة أو جماعته فشعب مصر أثبت أنه لن يقبل أن تصبغ مصر بلون واحد وأن تاريخيها وتنوعها لابد أن يكون حاضر في ذهن أي حاكم قادم،وأن مصر بحاجة للعلماني والاسلامي والقومي واليساري والليبرالي والمسلم والمسيحي و اللاديني والملحد وكل النظريات والافكار.
-أن الانجاز هو الضامن الوحيد لاستقرار الانظمة والشرعية الوحيدة وليس صناديق الاقتراع فالشرعية ليست تفويضا إلهيا ولا صك غفرن للحاكم ولا شيك على بياض، فمن انتخبك اليوم قد ينزل غدا إلى الشارع ليسقطك وينهي عقدك ويرمي بك خارج القصر لترجع مواطن بسيطا فشل في وظيفته .
-أن مصر بحاجة لحالة من المصالحة الوطنية تنبذ الإقصاء والتخوين المتبادل بين أطراف المشهد السياسي خاصة حين نعلم أن القتل والمضايقات أصبحت تتم على الهوية والشكل فمصر بحاجة الى النزوع نحو بناء الدولة بدل الصراع على كعكة الحكم والتحول إلى مرحلة البناء والتنمية .

كذلك على الثوار أن يقفوا في وجه التنكيل باعضاء جماعة الاخوان المسلمين فالمبادء لاتتجزء والحرية حق للجميع.
ما حدث في مصر جعلني أتخوف أيضا من عودة حكم العسكر ولو من وراء الستار بحجة أن المدنيين فشلوا في إدارة مصر عندما أعطيت لهم الفرصة،وأنهم فضلوا الصراع بينهم بدل البناء وأن الجيش هو الملاك المخلص وأن النخب المدنية ضعيفة ولا تستطيع بناء دولة خاصة أنهم قاموا بحركة ذكية وهي أنهم لم يعلنوا عن تأسيس مجلس عسكري وقدموا وجها قضائيا مدنيا وهو ما جعل مناهضي حكم العسكر في مصر في مأزق فلو صرخوا الآن بسقوط حكم العسكر سيقال لهم وأين هم العسكر ؟
جعلني ما بعد الثلاثين من يونيو أتخوف من أن تسرق جهود الشباب المصري مرة أخرى كما حدث في ثورة 25 يناير وأن تتصدر المشهد السياسي في مصر قوى محافظة من الفلول خاصة أنها قوى منظمة قد تستغل تقهقر الإخوان  من أجل النفاذ إلى أماكن صنع القرار وربما رئاسة مصر وهو ما يعد انتكاسة لا محالة لمشروع التغيير في مصر وسيفجر ثورة جديدة وتعود مصر من جديد إلى نقطة الصفر والمربع الأول.
أظن أيضا أنه على القوى الشبابية أن تحاول تنظيم نفسها كي تكون فاعلة في المشهد السياسي وأن لا ترضى بأن تكون جنود خفاء يركب السياسيين ظهرهم ويسرقون إنجازاتهم وأن لا يكتفوا بأن يكونوا مجرد مصححين للمسار بل مسيرين له وأن تحذر من غدر العسكر المنتشين بلجوء الشعب والقوى المعارضة لهم.

ومن الجيد كذلك أن تحاول القوى الثورية التتكتل وتنبذ التنافر وتوحد جهدها في الانتخابات الرئاسية القادمة حتى لا تتشتت أصواتها كما حدث في الانتخابات الماضية التي كاد تنافر القوى الثورية أن يوصل أحد رموز نظام مبارك إلى الحكم.

هناك تعليق واحد:

  1. مشاء الله .. الله يزيدك من علمه و فضله و رزقه موضوع رائع

    ردحذف